رأي

الفاشر تنهض: حين تتشابك الأيادي لاستعادة الحياة

الطاهر علي موسي

الفاشر اليوم، بعد أن مرت عليها أيام من القتال والدمار، تبدو كمدينة التقطت أنفاسها بصعوبة بعد حرب طاحنة أكلت الزرع والضرع، وخلفت وراءها حزناً عميقاً في كل شارع وبيت. الدعوات المتكررة لعودة المواطنين بشكل متسرع، بدوافع سياسية أكثر من إنسانية، لا تخدم المدينة ولا أهلها. فالمدينة تحتاج إلى وقت لتلمّ شمل جراحها، ولتستعيد أمنها واستقرارها المفقود منذ أشهر الحرب المدمرة.

كانت الفاشر يوماً قلب دارفور النابض بالحياة والنشاط، واليوم تتحول بفعل نزاعات قادت إلى إطلال وشوارع خاوية. السياسات المتخبطة لبعض القادة، والخيارات التي اتخذها من سار في ركابهم من المأجورين، أرهقت المواطنين وجرّت عليهم ويلات لم تكن لهم يد فيها. البيوت مهدمة، الأسواق خالية، والمدارس لا تزال مغلقة، حتى أصوات العصافير التي كانت تغرّد في سماء المدينة صارت تعكس الحزن والألم الذي يعتري كل ركن من أركان الفاشر.

لكن وسط هذه الخراب، ينبض الأمل في هذه الأرض. فقد بدأت الحياة تعود تدريجياً بفضل تدخل قوات الدعم السريع، وجهود حكومة التأسيس في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة. لقاءاتنا مع السكان كشفت عن شكر عميق لجهود الإغاثة، فقد روى أحدهم بعينين دامعتين: “لو تأخّر الدعم أسبوعاً واحداً فقط، لما بقينا على قيد الحياة، لكن الحمد لله جاء التحرير ومعه الحياة”. هذه الكلمات تعكس حكاية مدينة نجت من الموت، وبدأت تستعيد عافيتها خطوة خطوة.

اليوم، تواجه حكومة التأسيس اختباراً حقيقياً في بناء دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة، وليس الولاء الحزبي أو المحاصصة الضيقة. يجب أن يكون الفقراء والمساكين على رأس أولوياتها، وأن تضع آليات صارمة للمتابعة والمساءلة لتفادي تكرار سوء الإدارة الذي عانى منه السودان لعقود. الثقة في المسؤولين لا تعني التساهل، بل ضرورة للمتابعة المستمرة لضمان وصول الخدمات والسلع بشكل عادل، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.

المدينة بحاجة إلى وقفة صادقة من الجميع، حتى تعود أجمل مما كانت. الفاشر الآن مخيفة وموحشة، لكنها تحمل بذور الأمل في كل ركن. الوفود الحكومية تتوافد يومياً لتقييم الأوضاع، وإعادة الحياة تدريجياً، ومع استمرار هذه الجهود بروح التفاني، فإن النصر المدني على الدمار والفوضى سيكتمل كما اكتمل النصر العسكري على الأرض.

الجهود الميدانية لا تقتصر على توزيع الإغاثة، بل تشمل متابعة أحوال المرضى في المستشفيات والمراكز الصحية. وزير الصحة بنفسه يتفقد الحالات واحدة تلو الأخرى، ويطمئن المرضى على تلقيهم الرعاية، فتبتسم الوجوه رغم الألم، لأن هناك من يهتم بهم أخيراً. إلى جانب ذلك، تسجل حركات العدل والمساواة السودانية، والمجلس الانتقالي، وتجمع قوة التحرير حضوراً فاعلاً في الميدان، حيث يقدمون المساعدات ويتفقدون مراكز الإيواء بالتعاون مع قيادات حكومة التأسيس، في مشهد يبعث الطمأنينة ويزرع الأمل في النفوس.

الفاشر تنهض من بين الركام، والناس هنا رغم الألم يؤمنون بأن الغد سيكون أفضل. ما تحتاجه المدينة هو صبر جميل وتعاون صادق بين الحكومة والمواطنين. التنمية لا تولد إلا في حضن الأمن، والأمن لا يتحقق إلا حين تتشابك الأيادي، وتتوحد الجهود الوطنية لخدمة الناس والحفاظ على حياة المدنيين.

أيدينا للبلد… فالسلام والاستقرار مسؤولية مشتركة، والنجاح في إعادة بناء الفاشر يمثل رسالة قوية لكل السودان: بالإرادة الوطنية والتعاون الصادق يمكن للمدينة أن تنهض من جديد، وأن تكون نموذجاً للشفاء والتجدد، وأن يشرق أمل جديد بين الركام الذي خلفته الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!