رأي

نيروبي هل تكتب نهاية الحرب وبداية السودان الجديد

عبدالعزير بخات المحامي 

 

عبدالعزير بخات المحامي 

منذ اندلاع حرب الخامس عشر من ابريل 2023 ظل السودان يتنقل بين المبادرات والوساطات بينما تستمر معاناة المدنيين ويتوسع الانهيار الانساني والسياسي والاقتصادي وفي وسط هذا المشهد برزت نيروبي كمنصة سياسية جمعت اطرافا مدنية سودانية وفتحت الباب امام نقاش جديد حول مستقبل الدولة السودانية بعيدا عن لغة السلاح وخطابات الحرب

لكن السؤال الحقيقي

هل يملك السودانيون الشجاعة لتحويل اي منصة الحوار الى مشروع وطني حقيقي ينهي الحرب ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون

نيروبي لم تات من فراغ فكينيا بحكم موقعها وعلاقاتها الاقليمية وارتباطها بمؤسسات اقليمية ودولية استطاعت ان تقدم نفسها كمساحة اقل استقطابا من عواصم اخرى ارتبطت بشكل مباشر او غير مباشر بالصراع السوداني كما ان الذاكرة السياسية السودانية لا تزال تحتفظ باتفاق السلام الشامل لعام 2005 الذي وقع في نيروبي وهو ما منح المدينة رمزية اضافية في الوعي السياسي السوداني

غير ان اي قراءة واقعية للمشهد تؤكد ان نيروبي ليست عصا سحرية وليست بديلا لارادة السودانيين انفسهم فالمنصات لا تصنع السلام وحدها وانما تصنعه الارادة الوطنية عندما تتغلب على الحسابات الضيقة وعلى اوهام الحسم العسكري وعلى الرغبة في احتكار السلطة والثروة والسلاح

لقد اثبتت الحرب السودانية ان لا احد انتصر وان الوطن كله خسر خسر المواطن بيته وامنه ومستقبله وخسرت الدولة مؤسساتها وهيبتها وخسر الجيش سمعته الوطنية وسط الانقسام اي امكانية لتقديم نفسه كقوة مقبولة شعبيا بعد حجم الانتهاكات والدمار كما خسرت القوى السياسية ثقة قطاعات واسعة من الشعب بسبب صراعاتها وعجزها عن تقديم مشروع موحد

لهذا فان اي مسار سياسي جديد يجب الا يبنى على فكرة من يهزم من بل على سؤال اكثر اهمية كيف ننقذ ما تبقى من السودان

ان التحدي الاكبر امام مسار نيروبي لا يكمن فقط في غياب بعض الاطراف بل في غياب مشروع وطني جامع يتجاوز عقلية المحاور والتحالفات المؤقتة فالسودان لا يحتاج الى اتفاق نخب جديد يوقع في الفنادق ثم ينهار عند اول اختبار وانما يحتاج الى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة حديثة تقوم على المواطنة بلا تمييز والعدالة الانتقالية وعدم الافلات من العقاب وجيش وطني مهني واحد وسلطة مدنية ديمقراطية وتوزيع عادل للثروة والسلطة واحترام التنوع الثقافي والاثني والديني وسيادة حكم القانون على الجميع

ان اكبر خطر يواجه السودان هو استمرار الخطاب الذي يبرر الحرب او يطيل عمرها تحت اي شعار فكل يوم تستمر فيه المعارك يعني مزيدا من النزوح والانهيار والجوع والكراهية والانقسام الاجتماعي وكل خطاب يشيطن السلام او يرفض التفاوض بلا بديل عملي هو خطاب يدفع البلاد نحو هاوية قد يصعب الخروج منها لعقود

ولهذا يجب ان يرفع شعار السلام بكل شجاعة في وجه دعاة الحرب فالسلام ليس خيانة وليس ضعفا وليس تنازلا عن العدالة بل هو الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من الوطن ومنع تحوله الى ساحة فوضى دائمة

ان المطلوب من القوى المدنية والسياسية والمجتمعية ان تنتقل من مرحلة رد الفعل الى مرحلة صناعة المستقبل وان تدرك ان السودان لن يبنى بالاقصاء ولا بالانتقام ولا بتحويل الدولة الى غنيمة لطرف واحد وانما بالتوافق الوطني الحقيقي الذي يضع الانسان السوداني فوق المصالح الحزبية والعسكرية والاقليمية

كما ان المجتمع الدولي والاقليمي مطالب بان يتعامل مع الازمة السودانية باعتبارها قضية شعب ودولة لا مجرد ملف امني او ساحة نفوذ فالدعم الخارجي يجب ان يوجه نحو وقف الحرب وحماية المدنيين ودعم الانتقال المدني لا نحو تغذية الصراع بالسلاح او التمويل او الاستقطاب السياسي

قد تنجح نيروبي وقد تفشل لكن الاهم من اسم المدينة هو مضمون المشروع الذي يطرح فيها فاذا استطاع السودانيون ان يحولوا الحوار الى بداية حقيقية لاعادة بناء الدولة على اساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون فقد تصبح نيروبي محطة تاريخية في طريق السلام اما اذا تحولت الى مجرد منصة جديدة لتبادل الاتهامات وتقاسم النفوذ فستضاف الى قائمة الفرص الضائعة في تاريخ السودان الحديث

السودان يقف امام لحظة مصيرية اما ان ينتصر صوت العقل والحكمة واما ان تستمر الحرب حتى لا يبقى وطن يتفاوض عليه احد

القضية لم تعد اين يعقد الحوار بل كيف نعيد تعريف الوطن نفسه وطن لا يحكم بالبندقية ولا يدار بالخوف ولا يختزل في جماعة او قائد او مؤسسة بل وطن يتساوى فيه الجميع تحت راية القانون والعدالة والسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!