رأي

كيف يعرقل الإسلام السياسي مسار سلام السودان

ابو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

لا يوجد خطر على السودان أكثر من الإسلام السياسي وجماعات الهوس الديني التي أدخلت البلاد في نفق مظلم، وجعلت أي مفاوضات سلام مهددة بالفشل قبل أن تبدأ. هذه القوى، التي حكمت مفاصل الدولة لعقود، لم تكتفِ بالتحكم في القرار السياسي، بل امتدت لتخترق الجيش، وتوجه المؤسسات الأمنية لصالح مشاريع أيديولوجية، مما حول أي محاولة للتهدئة إلى فرصة لإعادة إنتاج نفوذها وإطالة أمد الصراع.

خارطة الطريق التي دفعتها الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) لإيقاف الحرب في السودان تبدو على الورق خطة متوازنة: هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم وقف دائم لإطلاق النار، يليها انتقال إلى حكومة مدنية خلال تسعة أشهر. لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة جماعة الإخوان المسلمين على اختراق هذه العملية، مستفيدة من أدوات نفوذها داخل سلطات بورتسودان والمناطق الاستراتيجية الأخرى، ما يجعل أي اتفاق هشاً ومهدداً بالفشل.

الكيزان هم المستفيد الأول من استمرار الحرب أو حتى من عملية سلام شكلية لا تُفضي إلى تغيير حقيقي. تحكمهم في القرار السياسي والأمني، وتحالفاتهم مع الحركات المسلحة، يمنحهم قدرة عالية على الالتفاف على أي مبادرة دولية، ويعيد إنتاج نمط السلطة الذي أشعل السودان قبل سنوات. لقد أظهرت الأحداث السابقة، مثل تأييد بعض رموز الكتلة الديمقراطية للانقلابات، مدى استعداد هذه التحالفات لاستغلال أي مرحلة انتقالية لمصالحها الخاصة، بعيداً عن مصلحة الوطن.

الخطر يتضاعف مع محاولاتهم للظهور تحت شعارات جديدة، لإعادة اختطاف مسار مفاوضات السلام كما فعلوا مع ثورات سابقة. أي تساهل من الرباعية أو من الاتحاد الأفريقي أو إيغاد في غربلة المشاركين وفحص خلفياتهم وتحالفاتهم سيعيد السودان إلى نفس دائرة الأزمة، ويحوّل أي اتفاق سلام إلى محطة مؤقتة قبل جولة صراع جديدة، لا إلى مدخل لاستقرار دائم.

التحدي أمام المجتمع الدولي كبير: كيف يمكن منع هذه القوى من السيطرة على مسار مفاوضات أديس أبابا؟ وكيف يمكن أن يتحقق السلام إذا ظل الكيزان يحتكرون النفوذ داخل الجيش والمؤسسات الأمنية؟ الإجابة تكمن في فرض استبعادهم فعلياً من كل قنوات التفاوض، وضمان أن يكون المسار الانتقالي بقيادة وطنية حقيقية، تعيد للسودان استقلاله السياسي وتضع مصالح الشعب فوق أي ولاءات أيديولوجية.

السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة. تحرير البلاد من نفوذ الإسلاميين ليس خياراً ثانوياً، بل شرط وجودي لبناء دولة مستقرة. ما لم يتم استبعاد الكيزان وكل القوى المرتبطة بالمشروع الانقلابي عن أي مسار سلام حقيقي، سيظل السودان أسيراً لدورة من الحروب والفشل السياسي، وسيستمر النزيف الذي طالما دفع ثمنه المواطن العادي. الطريق نحو السلام يتطلب شجاعة دولية ومحلية، وإرادة صادقة لقطع الطريق أمام الإسلاميين الذين يرفعون شعار “نحن أو لا سودان” ليحافظوا على مصالحهم على حساب مستقبل الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!