
إخلاص قرنق – كاتبة وباحثة اجتماعية / رئيس منبر صوت المرأة – جوبا
نحن أيضًا نحتاج إعادة ضبط.
لا لأننا تاهت بنا الطرق، ولا لأننا انتهينا عند حافة الانكسار، بل لأننا استهلكنا أنفسنا كثيرًا في محاولة الظهور بشكلٍ لا يشبه حقيقة ما نشعر به. نرتدي وجوه الصبر كما لو كانت دروعًا، نُخفي تحتها تشققات قلوب لم تجد وقتًا للالتئام. نمضي في تفاصيل الحياة اليومية نعدّ إنجازات صغيرة ونعلّقها على مشجب الرضا لنقنع أنفسنا بأننا بخير. ومع ذلك، يبقى صوت داخلي خافت يقول لنا إن الإرهاق لا يعني الضعف، وإن فقدان المعنى لا يعني أننا أقل صلابة، بل إننا بشر… والإنسان لا يُولد من حديد.
إعادة الضبط ليست تراجعًا ولا هروبًا، بل شجاعة الاعتراف بأن الداخل تغيّر، وأن ما كان يُشعلنا ذات يوم أصبح رمادًا دافئًا، وأن أرواحنا تحتاج هواءً جديدًا لا يشبه الماضي، ولا يشبه أحدًا سوى صوتها الخاص. نحتاج أن نصمت، لا لأن الكلمات خانتنا، بل لأن الضجيج تجاوز قدرتنا على التحمل. نحتاج أن ننسحب قليلًا من المساحات التي تبتلع هدوءنا، ونعود إلى أنفسنا كما يعود المرء إلى بيتٍ كان مهجورًا لكنه لم يفقد دفأه.
في عالمٍ يطالبنا دائمًا بالمواصلة، يصبح التوقف فعل مقاومة. ومع كل توقف صادق، يولد فهمٌ جديد لوظيفة الروح. كل جهاز نعيد تشغيله يعود أخفّ وأكثر قدرة على العمل؛ فكيف بنا نحن، ونحن أثقل من الذاكرة وأعمق من التعب؟
لماذا نصرّ على حمل ملفات الوجع القديمة ونفتحها كل يوم؟
لماذا نخشى أن نغلق صفحة وانتهت، ونبدأ من أخرى بيضاء؟
لماذا نتعامل مع الماضي كأنه قدرٌ لا يمكن الشفاء منه؟
نحن بحاجة إلى إعادة ضبط للقلوب التي أنهكتها العطاءات الأحادية، وللنفوس التي خلطت بين الصبر والصمت حتى باتت تتقبل ما لا يشبهها، وللأحلام التي وضعتها الحياة على رفوف النسيان لكنها ما زالت تنبض كلما أغلقنا أعيننا. نحتاج إلى إعادة ترتيب مشاعرنا كما نرتّب مكتبة غمرها الغبار: نُبقي ما يستحق البقاء، ونُهدي أوراقًا لم تعد تنتمي إلى فصلنا الراهن.
أحيانًا لا يحتاج المرء إلى ضوء جديد، بل إلى إطفاء الأنوار كلها؛ لحظة واحدة من العتمة الصادقة تكفي لنواجه أنفسنا بلا تزيين، بلا مبررات، بلا أقنعة تُشقي أكثر مما تحمي. هناك فقط، في تلك اللحظة النادرة من المواجهة الشفافة، تبدأ عملية إعادة الضبط الحقيقية… تلك التي تُعلّمنا كيف نعود إلى ذواتنا لا إلى توقعات الآخرين.
خذ نفسًا عميقًا، ولكن ليس لتُكمل… بل لتتوقف.
اغفر لنفسك أخطاءها الأولى، واسمح لها أن تعيد قراءة الطريق من جديد. سامحها لأنها لم تعرف في بعض المحطات كيف تختار نفسها، وامنحها فرصة ثانية كي تستعيد معنى الوجود. فإعادة الضبط لا تعيدنا كما كنا، وإنما تعيدنا كما يجب أن نكون.
وفي ختام هذا التأمل، لا يسعني إلا أن أردد ما علّمني حضور الأحبة في حياتي:
سأظل أذكركم إذا جَنَّ الدُّجى
أو أشرقت شمس على الأزمان
سأظل أذكر إخوة وأحبة
هم في الفؤاد مشاعل الإيمان
سأظل أذكركم بحجم محبتي
فمحبتي فيضٌ من الوجدان
فلتذكروني بالدعاء فإنني
في حبكم أرجو رضى الرحمن
بهذه الروح، نعيد ضبط أنفسنا…
لا لنبدأ من الصفر، بل لنبدأ من مكانٍ يليق بنا.




