رأي

الهدنة الإنسانية في السودان: هل تنجح الخطة الأمريكية وسط تشظي الفاعلين وانعدام الثقة؟

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة

أثارت الباحثة المصرية المتخصصة في الشأن السوداني أماني الطويل نقاشًا مهمًا حين أشارت إلى أن نجاح الخطة الأمريكية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان يعتمد بدرجة كبيرة على قبول الأطراف المتحاربة بآلية إنسانية تضمن هدنة فعلية وتفتح المجال أمام وصول المساعدات إلى المدنيين. غير أن هذا الطرح يثير جملة من التساؤلات الجوهرية حول إمكانية نجاح مثل هذه المبادرة في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

فالسودان اليوم يعيش حالة من التشظي السياسي والعسكري غير المسبوق؛ إذ لا يقتصر المشهد على طرفي الصراع الرئيسيين فحسب، بل يتداخل فيه عدد من الفاعلين، من الجيش وقوات الدعم السريع إلى الحركات المسلحة ولجان المقاومة والقوى المدنية المختلفة. هذا التعدد في مراكز القرار يضعف فرص الوصول إلى موقف موحد، ويجعل أي مبادرة دولية عرضة للتعثر بسبب تضارب الحسابات والمصالح.

وفي ظل هذه البيئة المتوترة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للخطة الأمريكية أن تنجح في ظل غياب رؤية مشتركة بين الفاعلين السودانيين؟ إن تبني حلول وسط في مشهد معقد كهذا يتطلب استراتيجيات مرنة تجمع بين الضغط الدبلوماسي المكثف والقدرة العملياتية على إدارة الأزمات. فالمقاربات التقليدية للمساعدات الإنسانية قد لا تكون كافية في ظل واقع تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والعسكرية مع الاحتياجات الإنسانية.

ومن بين التحديات المطروحة كذلك مسألة توطين المساعدات الإنسانية. فحتى إذا تم الاتفاق على هدنة إنسانية، فإن إيصال المساعدات قد يصطدم بعقبات بيروقراطية أو قيود تفرضها مراكز النفوذ المحلية. وهنا تبرز أهمية الاعتماد على غرف الطوارئ والشبكات المجتمعية المحلية التي تمتلك شرعية قاعدية وقدرة أكبر على الحركة داخل مناطق النزاع، خصوصًا في المناطق التي تعجز المنظمات الدولية عن الوصول إليها.

لكن نجاح أي آلية إنسانية يظل مرهونًا قبل كل شيء بمدى قبول الأطراف المتحاربة بها. فوجود أطراف دولية ضمن آليات الوساطة – مثل الآلية الرباعية – سبق أن وُجهت إليها اتهامات بعدم الحياد أو بدعم أحد طرفي النزاع، الأمر الذي يخلق حالة من الشك وانعدام الثقة. وفي ظل غياب ضمانات واضحة حول طبيعة الهدنة الإنسانية وحدودها، يصبح فتح الممرات الآمنة وضمان وصول المساعدات مسألة بالغة التعقيد.

في هذا السياق، يبرز دور القوى المدنية بوصفها طرفًا محوريًا في الدفع نحو وقف الحرب. فهذه القوى لا تمثل وسيطًا فحسب، بل تمثل أيضًا صاحب مصلحة أصيل في إنهاء الصراع، باعتبارها الحامل السياسي لمشروع التحول الديمقراطي والحلول السلمية بعيدًا عن منطق السلاح. غير أن نجاحها في هذا الدور يتطلب توفر أدوات فاعلة، من بينها النقابات ولجان المقاومة والأحزاب السياسية، إضافة إلى قدرتها على حشد الرأي العام الداخلي والضغط على المجتمع الدولي لفرض ممرات إنسانية آمنة.

كما يمكن للقوى المدنية أن تضطلع بدور مهم في الرقابة الميدانية ورصد الخروقات عبر شبكاتها المحلية المنتشرة في مختلف المناطق، الأمر الذي يسهم في توفير بيانات دقيقة حول احتياجات السكان ويعزز فرص استمرار الهدنة الإنسانية. كذلك يظل فصل المسار الإنساني عن المسار السياسي والعسكري شرطًا أساسيًا لضمان عدم توظيف المساعدات كأداة ضغط أو ابتزاز في سياق الصراع.

غير أن هذا الدور المدني يواجه تحديات كبيرة. فالتشظي داخل القوى المدنية نفسها يضعف قدرتها التفاوضية ويقلل من تأثيرها في مسار الأزمة. لذلك فإن بناء كتلة مدنية موحدة حول حد أدنى من الأهداف وفي مقدمتها وقف العدائيات وفتح الممرات الإنسانية  يمثل شرطًا أساسيًا لتعزيز حضورها في أي عملية وساطة.

ومع ذلك، يبقى موقف الأطراف المتحاربة من الوساطة المدنية متأرجحًا بين القبول الحذر والرفض الضمني. ففي بعض الحالات قد تقبل هذه الأطراف بالتعامل مع القوى المدنية في الملفات الخدمية مثل الكهرباء والمياه والصحة، لأنها تخفف عنها عبء إدارة شؤون المدنيين في مناطق سيطرتها. كما قد تلجأ بعض الأطراف إلى الحوار مع المدنيين لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي وإظهار قدر من الاستعداد للسلام.

لكن في المقابل، تواجه القوى المدنية اتهامات متبادلة بالانحياز، إذ يتهم بعض قادة الجيش هذه القوى بأنها تمثل ظهيرًا سياسيًا للطرف الآخر، الأمر الذي يضعف من صفة الحياد المطلوبة لأي وسيط. كما يخشى بعض القادة العسكريين من أن تتحول الهدنة الإنسانية إلى مدخل لفرض أجندة سياسية مدنية تمهد لعودة الحكم المدني، وهو ما يدفعهم إلى تفضيل حصر التفاوض في الإطار العسكري البحت.

وفوق ذلك، توجد داخل المعسكرات المتحاربة قوى مرتبطة بالنظام السابق أو ببعض الحركات المسلحة ترى في أي تقارب مدني–عسكري تهديدًا مباشرًا لمصالحها، ولذلك تسعى إلى عرقلة أي مبادرة قد تقود إلى تسوية سياسية.

في ضوء كل ذلك، تبدو الهدنة الإنسانية في السودان فكرة ضرورية لكنها محفوفة بالتحديات. فنجاحها لا يتوقف فقط على الإرادة الدولية، بل يتطلب قبل كل شيء إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، وتوحيد صفوف القوى المدنية، وخلق آليات إنسانية محايدة وفعالة. دون ذلك، ستظل المبادرات الدولية تدور في حلقة مفرغة داخل مشهد معقد تتنازعه الحسابات العسكرية والسياسية على حساب معاناة المدنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!