
أشرف حسن فتح الجليل
لم تعد المرأة اليوم مجرد عنصر اجتماعي يكمّل المشهد العام، بل غدت شريكًا أصيلًا في صياغة هوية الدولة الحديثة ومحركًا رئيسيًا لمسار التنمية الشاملة. حضورها في ميادين التعليم والاقتصاد والسياسة والثقافة لم يعد استثناءً أو حالة خاصة، بل أصبح قاعدة ثابتة تنطلق منها المجتمعات التي تطمح إلى التقدّم والنهضة.
إن مساهمة المرأة تبدأ من الجذور؛ من قلب الأسرة، حيث تزرع قيم المواطنة والمسؤولية والانتماء، وتغرس بذور الأخلاق والعمل والوعي. ومن خلال دورها التربوي والتعليمي، تُشكّل ملامح الجيل القادم وتبني شخصية المواطن القادر على خدمة وطنه بإخلاص. فالأم الواعية ليست مجرد فرد في الأسرة، بل هي المدرسة الأولى التي تُبنى على أساسها الدولة المتماسكة.
وفي حراك الاقتصاد، أثبتت المرأة كفاءة عالية في الإبداع والإنتاج. فقد أسهمت رائدات الأعمال في تنشيط قطاعات حيوية وخلق فرص عمل جديدة، لتصبح مشاركتها الاقتصادية أحد الأعمدة الاستراتيجية في تحقيق التنمية المستدامة. إن تمكين المرأة اقتصاديًا ليس مجرد شعارٍ تنموي، بل هو ركيزة حقيقية لرفع قدرات المجتمع وزيادة إنتاجيته.
أما في السياسة وصنع القرار، فقد أظهرت مشاركة المرأة قدرتها على إضفاء بعد إنساني ورؤية أكثر شمولًا على السياسات العامة. وجودها في البرلمانات، والمجالس المحلية، والمؤسسات الحكومية يعكس عدالة المجتمع، ويعزز قيم المساواة والشفافية، ويفتح آفاقًا أوسع للحوكمة الرشيدة. فالقرارات التي تُصاغ برؤية نسائية تكون غالبًا أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع وعمقًا في فهم تحدياته.
ولا يمكن إغفال الدور الريادي للمرأة في المسارات الثقافية والإعلامية، حيث أصبحت صوتًا واعيًا ينقل قضايا المجتمع بذكاء ومسؤولية، ويُسهم في تعزيز الوعي العام وترسيخ قيم الحداثة والتنوير. فالإعلاميات والمثقفات يصنعن فضاءً معرفيًا متقدمًا، ويقدمن سردية جديدة تعكس حقيقة المجتمع وتطلعاته.
إن الدولة التي تمنح المرأة حقوقها وتفتح لها أبواب المشاركة على مصراعيها، هي دولة تستثمر في عقلها وقلبها معًا. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي القلب النابض الذي يمده بالحياة والروح والازدهار. تمكينها ليس منحة، بل هو استثمار طويل الأمد في مستقبل وطنٍ يريد أن ينهض على أسس العدالة والتقدم.
وهكذا، تبقى المرأة صانعة المستقبل وركنًا محوريًا في بناء دولة حديثة، دولة تعي أن النهضة لا تُكتب بجهد طرف واحد، بل بتكامل الأدوار، وبإيمان راسخ بأن المرأة شريكٌ لا يُستغنى عنه في كل بناءٍ يطمح إلى الثبات والارتقاء.




