رأي

«رسائل في بريد اللاجئين السودانيين بأوروبا… بين وجع المنفى وذاكرة الوطن»

عبدالناصر آدم حمزة (ود الشهيد)

 

عبدالناصر آدم حمزة (ود الشهيد)

أحمل قلمي، فتتملكني الحسرة وأنا أحاول أن أكتب رسائل في بريد بعض الإخوة السودانيين الذين اضطرّتهم الظروف إلى اللجوء في دول أوروبا. غادرتم وطنًا واسعًا ضاق بكم، لا لأن أرضه قاسية، بل لأن سلطاته ضيّقت عليكم سُبل العيش الكريم، ومارست عليكم إقصاءً وتهميشًا وظلمًا لم يترك للكرامة مساحة للتنفس. وحين ضاقت بكم السبل، كرهتم سياسات القمع وقرّرتم مغادرة التراب الذي أحببتموه، هاربين نحو دولٍ تُعلي قيمة الإنسان، وتتجاوز أسوار القبيلة واللون والجهة، وتضع الإنسانية فوق كل اعتبار.

هاجرتم وأنتم تحملون في صدوركم غُبنًا دفينًا، وركبتم طرقًا محفوفة بالموت، نسبة النجاة فيها لا تتجاوز النصف. واجهتم المحيطات، ونازعتم الحيتان طريق الحياة، وسلّمتم أنفسكم لتجّار البشر هربًا من جحيمٍ صنعه أهل السلطة في بلادكم. وحين تجاوزتم تلك المهالك، ووُلدتم من جديد على أراضٍ آمنة، تنفستم الصعداء وشعرتم لأول مرة بمعنى الحرية التي حُرمتم منها طويلًا.

قدّمتم طلبات اللجوء السياسي، وكانت الأسباب واضحة وصادقة: أنكم تعرّضتم للقمع، وأن الأنظمة الحاكمة في السودان حرمتكم من حقوقكم الأساسية. لكن ما يدعو للحسرة أن بعضكم—لا كلّكم—ما إن وجد الراحة في تلك البلاد، حتى تنكّر لجراحه القديمة، وتناسى الظروف التي أخرجته من وطنه مُكرهًا. الأخطر من ذلك أن بعض الأصوات من المهجر بدأت تردد، دون خجل، شعارات تُساند من مارسوا ضدكم الظلم ذاته الذي هربتم منه.

كيف يُعقل أن يدعم بعض اللاجئين من موقع الحرية سياسات القتل والدمار في وطنهم؟ كيف يبارك البعض استمرار الحرب التي التهمت أبناء جلدتهم، وشردت الملايين، ويتم ترديد عبارات تسخر من آلام الناس تحت شعارات زائفة؟ إن دعم أي طرف يمارس انتهاكات ضد المدنيين—أياً كان اسمه أو رايته—هو خذلانٌ للتاريخ، وخطأ أخلاقي لا تبرره الغربة ولا يبرره اختلاف المواقف السياسية.

وجعي ليس في اختلاف الرأي، ولا في النقد، ولا في العتب، بل في أن يُطالب اللاجئ—الذي فرّ من الظلم—بتكرار الظلم على أهله. من عاش تجربة اللجوء يفهم معنى الخوف والجوع والضياع، ولذلك يكون الأجدر به أن يقف مع حق الحياة، لا مع استمرار آلة الموت. لذلك أجد نفسي أكتب إليكم بمرارة المحبّ، لا بقسوة العدو، داعيًا إلى مراجعة المواقف، وإلى التذكّر أن الذين تركتموهم خلفكم ما زالوا يتألمون كما كنتم تتألمون.

الوطن الذي هاجرتم منه ما زال ينتظر أبناءه، لا ليعودوا حاملين الغضب أو التشفي، بل ليعودوا حاملين الوعي والتجربة والنضج الذي صنعته الغربة. أما التاريخ، فهو لا ينسى مَن وقف مع الإنسان، ولا مَن وقف ضد حياته.

ختامًا، ليست رسالتي دعوة للفرقة، ولا رغبة في إقصاء أحد، بل دعوة للصدق مع أنفسكم. فكما هاجرتم بحثًا عن الكرامة والحرية، تذكروا أن شعبكم داخل السودان يطمح للشيء ذاته.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!