
سليم محمد عبدالله
في واحدة من أكثر اللحظات تاريخيةً واضطرابًا في السودان، يتبدّى المشهد الوطني كأنه سؤالٌ معلّق في الهواء: من الذي صادر الكرامة باسمها؟ ومن الذي دنّس معنى الشرف بشعاراتٍ كان يفترض أن تحميه؟
لقد تحوّلت الحرب من قضية وطنية إلى ساحةٍ مشتعلة بالخطاب الأيديولوجي، تُعاد فيها صياغة الهزيمة في قوالب “ثبات”، والخيانة في لافتات “إيمان”، والانهيار في شعارات “نصرة”. وتصدّر هذا المشهد جيشٌ لم يعد يرى الوطن إلا من خلال منظار مشروعٍ حزبي ضيّق، ففقد بوصلته، وضلّ مبدأه، وتخلّى عن جوهر مهمته الأساسية.
أيُّ كرامةٍ يُبشّرون بها، وهم أول من شوّه معنى الكرامة؟
وأيُّ استنفارٍ يُنادون به، وأبناؤهم ينعمون في عواصم العالم، بينما أبناء الفقراء والهامش يُدفعون إلى محارق لا يعرف أحدٌ أسماء ضحاياها؟
لقد انكشف الخطاب وزال القناع، وظهر ما كان مستتراً: مؤسسة عسكرية جرى استلابها عقائديًا لصالح مشروع الإسلاميين، حتى باتت أداةً لحماية فكرة لا وطن.
إن ما نشهده اليوم ليس انهيارًا عسكريًا فحسب، بل سقوطًا أخلاقيًا ولغويًا وتاريخيًا لخطابٍ طالما ادّعى الوطنية واستثمر في دماء الأبرياء. فالوطن لا ينتظر من يرفع راية “الكرامة”، بل من يعيد للكرامة معناها الحقيقي: أن تُصان حياة الإنسان، لا أن تُسلب باسمه.
لقد تهاوت المواقع العسكرية، لكن الأهم أن الخطاب نفسه هو الذي سقط. خطابٌ قسّم الوطن، وامتهن دماء جنوده، وتعامل مع الجيش كمجرّد ذراعٍ لتنفيذ أجندة حزبية. فأي كرامة يمكن أن تبقى لمؤسسة ترفع شعار “الدفاع عن الأرض والعرض” بينما تصمت عن حقيقة أن كبار منظّريها يقيمون بين لندن وأنقرة وواشنطن وموسكو؟
وأي احترامٍ يمكن أن يُمنح لمؤسسة تُساق إليها أبناء الهامش والمهمّشين ليقاتلوا تحت شعارات لا تعنيهم، ولا تعود عليهم إلا بالموت؟
لقد أثبتت الحرب أن ما يُسمّى بـ “جيش الإسلاميين” كان جيشًا مؤدلجًا، أُعدّ لحماية مشروعٍ سياسي لا وطن. جيشٌ يستخدم لغة العقيدة ليُفرغ الانتماء الوطني من معناها، ويُسمي الانهيار “ثباتًا”، ويُكرّس الكراهية كوقودٍ لحربٍ تُدار باسم الدين والوطن معًا.
وما جرى في بابنوسة والفرقة 22 ليس مجرّد هزيمة ميدانية، بل محطة فارقة في سقوط البنية الفكرية التي حاول الإسلامويون إلصاقها بالمؤسسة العسكرية. مؤسسةٌ سمحت لشعارات عنصرية أن تتسلل إلى خطابها، تصنف جنودًا بأنهم “عرب” أو “شتات” أو “حواضن”، في مشهدٍ يجعل من الجيش منصةً للفرز الاجتماعي لا رمزًا للوحدة الوطنية.
من الطبيعي إذن أن تنهزم مؤسسة تقوم على الكراهية، وتُدار بالعقيدة الحزبية. فالجيوش التي لا تحترم دماءها ولا تنتمي لأوطان شعوبها، تُهزم قبل أن تطلق رصاصة واحدة.
وهذا السقوط لم يكن عسكريًا فقط، بل سقوطًا لأسطورة “الكرامة الكيزانية” التي رُوّج لها لعقود، فبدت اليوم مجرد فقاعات خطابية انهارت أمام وعي الناس.
لقد خسر الإسلامويون معركة الوعي قبل أن يخسروا المعركة العسكرية. لم يعد الشعب يقبل كرامةً تُصاغ في غرف مغلقة، أو استنفارًا يُطلقه من يقيمون في القصور.
لقد عرّت الحربُ كل شيء: زيف الخطاب، خواء الشعارات، وانكشاف الجيش المؤدلج الذي فقد شرفه قبل أن يفقد مواقعه.
وفي نهاية المطاف، لن يبقى في التاريخ إلا من قاتل من أجل الشعب، لا من أجل الشعارات.
ولن يُذكر إلا من صان دماء الوطن، لا من استغلّها لبناء مجده الزائف.
وسيسجّل التاريخ أن من رفع شعار “الكرامة” كان أول من أسقط كرامة الوطن، وأن من ادّعى حماية السودان كان أول من طعن روحه.




