رأي

السلطان أحمد علي دينار… حين ينهض صوت السلام من بين ركام الحرب

عبدالرحمن ابو رندة

 

عبد الرحمن ابو رندة 

في زمنٍ تتكاثر فيه أصداء السلاح وتغيب فيه الحكمة خلف ضجيج الصراع، يخرج السلطان أحمد أيوب حسن علي دينار—حفيد السلطان التاريخي علي دينار—ليعيد إلى المشهد السياسي والإنساني صوتاً مُهاباً ظلّ عبر القرون جزءاً من ذاكرة السودان وأصالته. هو ليس مجرد وريث لسلطنة الفور، بل حاملٌ لرسالة أخلاقية ووطنية تمتد جذورها إلى إرثٍ سطره أجداده، ويمتد ظلّه اليوم ليغطي مساحة واسعة من الآمال في مستقبلٍ أكثر استقراراً وإنسانية.

«السلام لا يولد من قوة السلاح، بل من قوة القيم».

منذ توليه السلطنة عام 2016، قدّم السلطان أحمد علي دينار نموذجاً مغايراً تماماً للأدوار التقليدية للزعامات الأهلية. فهو لا يتحدث فقط عن إرث تاريخي عظيم، بل يوظفه ليكون منصة تُسمع منها نبرة واثقة تدعو إلى السلام والتعايش وإحياء القيم السودانية الجامعة. رسائله المتواترة خلال الحرب ليست انفعالاً عابراً، بل خطاب دولة ورؤية قيادة تعرف أن سلطان دارفور كان عبر التاريخ مركزاً جامعاً لا قبيلة مغلقة.

«وحدة الأمة ليست شعاراً، بل فعلٌ يتكرر كل يوم».

ينطلق السلطان أحمد من قراءة عميقة لموقع السلطنة في الوجدان السوداني، حيث ارتبطت دارفور دوماً بفكرة القومية والشراكة الواسعة. فقد كانت السلطنة القديمة فضاءً سياسياً وثقافياً يجمع العرب والفور والزغاوة والمساليت والتنجر والميدوب وغيرهم، في تركيبةٍ نادرة أرست أسس التعايش منذ القرون الوسطى. لم تكن الأمة الفوراوية مجرد كيان قبلي، بل مشروعاً حضارياً مفتوحاً لكل من عاش في دارفور. وهذا الفهم المتقدم هو ما يحمله السلطان أحمد اليوم، وهو يخاطب الناس لا بلسان قبيلة، بل بلسان وطن.

في خطابه الإنساني الأخير، الذي خرج من بين ركام الحرب وآلام الضحايا، يؤكد السلطان أن دارفور ليست أرضاً متنازَعاً عليها، بل فضاءً لحياة مشتركة لا يقوم إلا بالسلام. نبرته الوطنية المحضة تكشف عن إدراك ناضج لمسؤولية القائد في لحظات الانهيار، لذلك جاءت لغته جامعة، ودعوته صريحة إلى نبذ الكراهية وتجاوز جراح الماضي، واعتبار الحرب حالة طارئة لا يمكن أن تصبح مصيراً دائماً للناس.

«القائد الحقيقي هو من يبني الجسور حين يشيّد الآخرون المتاريس».

وقد اكتسبت رسائله زخماً خاصاً لأنها تستند إلى إرث جده السلطان علي دينار، الذي لم يكن مجرد حاكم، بل صاحب مشروع إنساني عابر للحدود؛ أعاد إعمار دارفور، ونظم الإدارة، وأسس مصنع كسوة الكعبة، وحفر آبار علي، وربط السودان بفضائه الإسلامي الأكبر. ذلك الإرث الضخم يطل اليوم مرة أخرى عبر حفيده، لكن بصيغة معاصرة تفهم طبيعة العالم الجديد وتوظف التاريخ لبناء المستقبل.

إن ظهور السلطان أحمد بهذا الخطاب المتزن والإنساني في لحظة حرجة من تاريخ السودان يمنح السودانيين مساحة للأمل، ويعيد الاعتبار لقيمٍ كادت تضيع وسط نار الحرب: الحكمة، والتسامح، والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن الكبير. فحين يتحدث السلطان، لا يتحدث باسم قبيلة، بل باسم فكرة قديمة متجددة: أن السودان لا يبنى إلا بالسلام، وأن دارفور كانت وستظل ركناً أساسياً في هذا البناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!