
عبد الرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
أمس، وقف محمد حمدان دقلو (حميدتي) بخطابٍ كاشفٍ وصادم، هزَّ ما تبقى من ستار الزيف حول الحرب السودانية. الرجل، الذي عاش تفاصيل الصراع لحظة بلحظة، لم يعد يتحدث بلغة الدبلوماسية أو المداراة، بل بلغة الحقيقة المجردة: البرهان والإسلامويون هم من أشعلوا هذه الحرب، بعد أربع سنوات من التخطيط والتآمر لضرب قوات الدعم السريع.
قالها حميدتي بلا مواربة، ثم مضى إلى ما هو أعمق:
“البرهان شخص كذوب ومنافق، يظهر غير ما يُبطن.”
جملة تلخص كل ما جرى منذ سقوط البشير وحتى اليوم. فمن وعدَ بالسلم والاستقرار، هو من جرّ البلاد إلى أتون الجحيم، وأحال الوطن إلى خرابةٍ تئنّ تحت الجوع والنزوح والدمار.
البرهان الذي أنكر الانقلاب قبل أن يفعله، وأقسم على حماية الثورة قبل أن يذبحها، هو نفسه من يذرف الدموع اليوم على أطلال الخراب الذي صنعه بيديه.
ولعلّ المشهد الأكثر سخرية في خطاب حميدتي هو تلك الواقعة التي أفصح عنها: تسجيل يحتفظ به للبرهان في اليوم الأول للحرب، وهو يبكي ويصرخ:
“الحقوني.. خشوا بيتي.. الزخيرة ضاربة فيني!”
أيُّ قائد هذا الذي يطلب النجدة من رصاصه؟ أيّ جنرال هذا الذي يرتجف أمام نارٍ أشعلها بنفسه؟!
لقد أثبتت الأيام أن البرهان لا يصلح حتى لإدارة عصابة صغيرة، ناهيك عن قيادة دولة بحجم السودان.
فالعصابة، على سوئها، تحتاج إلى زعيمٍ يعرف كيف يحمي رجاله ويوزع الغنائم بالتساوي. أما البرهان، فقد دمّر الجيش، وورّط جنوده في حربٍ لا يعرفون لمن يقاتلون فيها ولا لماذا.
الحقيقة أن الحرب لم تكن دفاعاً عن سيادة، بل كانت مشروعاً مبيّتاً أعاد بعث الحركة الإسلامية من رمادها.
الإسلامويون الذين تخلّقوا في مؤسسات الجيش منذ انقلاب 1989، خططوا بدقة لاستعادة نفوذهم عبر حربٍ تبتلع الجميع.
لقد زرعوا ضباطهم في المفاصل الحساسة، وأداروا المعركة من وراء ستارٍ دينيٍ زائف، يرفع الشعارات ليغطي على الدماء.
من داخل الخراب، برزت حقيقة لا لبس فيها:
أن البرهان ليس سوى واجهةٍ مؤقتة لمشروعٍ قديم، تلبّس لبوس الوطنية وهو في جوهره مشروع سلطةٍ مريضة، تتغذى على الخراب وتقتات على الكذب.
والأدهى من ذلك، أنّه بعد كل هذا الدمار، لا يزال الرجل يتحدث بلغة “التحرير والانتصار”، وكأنّ ملايين النازحين ودمار المدن مجرّد تفصيلٍ ثانوي في نشرة الأخبار.
لكن الأيام لا تخطئ الاتجاه.
فالبرهان الذي ظنّ أن الدبابات ستخلده في الحكم، يجد نفسه اليوم مطارداً بالعزلة، محاصراً بالعقوبات، منبوذاً حتى من أقرب حلفائه.
انفضّ من حوله الجميع، ولم يبقَ له سوى فلول الإسلامويين الذين يدفعونه نحو هاويةٍ بلا قاع، خوفاً من مواجهة العدالة.
إنّ التاريخ لن يرحم هذا الجنرال، الذي جمع بين جهل الطغاة وغرور العسكر.
فقد نجح في ما لم ينجح فيه أحد: دمّر الدولة، وحرق الوطن، وأهان الجيش، وخان العهد.
أما دموعه في اليوم الأول للحرب، فستظل شاهداً على انهيار رجلٍ ظنّ أن الحكم لعبة، فإذا به يكتشف أن النار التي أشعلها لا تفرّق بين القاتل والمقتول.
البرهان اليوم ليس سوى جنرالٍ بلا جيش، وطاغيةٍ بلا دولة، وكاذبٍ فقد القدرة على تصديق نفسه.
والسودان، رغم جراحه، سينهض ذات يومٍ ليقول:
لقد انتهى زمن الأكاذيب، وسقط آخر قناعٍ من أقنعة دولة 56، التي أعادت إنتاج الموت بأسماءٍ جديدة وراياتٍ باهتة.




