تصريحات وزير الخارجية الأمريكية… واختلال ميزان العدالة الدولية
يعقوب التجاني المحامي والمستشار القانوني

يعقوب التجاني – المحامي
تقتضي أبجديات الوساطة في أي نزاع أن يلتزم الطرف الوسيط بالحياد التام، وألا يُظهر أي شكل من أشكال الانحياز، حتى يحافظ على قدرته على جمع الأطراف المتنازعة والوصول إلى تسوية عادلة. غير أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكية أثارت تساؤلات جدية حول التزام الولايات المتحدة بهذه القاعدة، خاصة كونها تقود اللجنة الرباعية المعنية بجهود إنهاء النزاع المسلح بين جيش الحركة الإسلامية وقوات الدعم السريع، وهو النزاع الذي اندلع في 15 أبريل 2023.
إن الوقائع التي سبقت الحرب، والمسار الذي اتخذته لاحقاً، باتت معروفة للمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة. فقد أشعلت الحركة الإسلامية هذه الحرب بهدف إلغاء الاتفاق الإطاري الذي تمسكت به قيادة قوات الدعم السريع باعتباره الطريق الأقرب نحو انتقال مدني يعيد السلطة للشعب. ومنذ اندلاع القتال، مارست كتائب الحركة الإسلامية المسلحة انتهاكات واسعة ضد المدنيين العزّل، اتخذ كثير منها طابعاً عنصرياً، وشملت القتل والذبح والتمثيل بالجثث، إضافة إلى الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة بموجب “قانون الوجوه الغريبة”، فضلاً عن الترحيل القسري لأهالي كردفان ودارفور إلى كنابي الجزيرة، والتدمير الممنهج لمنازلهم وبيئتهم الاجتماعية.
وتتجاوز الانتهاكات ذلك إلى لجوء جيش الحركة الإسلامية لاستخدام السلاح الكيماوي، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية نفسها لإصدار قرار يدين هذا السلوك المحظور وفق القانون الدولي الإنساني.
ورغم وضوح هذه الحقائق، فقد ظلت حكومة الحركة الإسلامية – المتمركزة حالياً في بورتسودان – ترفض جميع المساعي الدولية الرامية لوقف الحرب. ابتداءً من إعلان جدة، مروراً باتفاق المنامة ومفاوضات جنيف، وصولاً إلى مقترحات اللجنة الرباعية بقيادة الولايات المتحدة بشأن الهدنة وإيصال المساعدات الإنسانية، لم تُبدِ الحكومة أي استعداد للالتزام، في الوقت الذي وافقت قوات الدعم السريع على جميع تلك المبادرات دون استثناء.
وعليه، كان من الأولى بوزير الخارجية الأمريكي أن يوجه نقده إلى الجهة التي أشعلت الحرب وترفض إيقافها، بدلاً من إصدار تصريحات قد تُفهم باعتبارها انحيازاً يعمّق الأزمة. فالقصف الجوي المستمر على المدنيين في كردفان ودارفور، تحت ذريعة استهداف “حواضن الدعم السريع”، يمثّل انتهاكاً واضحاً لأبسط مبادئ حماية المدنيين.
إن مثل هذه التصريحات غير الموفقة قد تساهم في إطالة أمد الحرب، بل وتشجع حكومة الحركة الإسلامية – التي جاءت بانقلاب 1989 واستمرت في ارتكاب انتهاكات خطيرة بحق الشعب السوداني – على التشبث بالسلطة. وهي الحكومة ذاتها التي زُجّ بقيادتها، وعلى رأسهم المخلوع عمر البشير، في قوائم المحكمة الجنائية الدولية، وما تزال تتحدى قراراتها في غياب إرادة دولية حاسمة لتطبيق العدالة.
لقد جاءت تصريحات الوزير خالية من الدقة والشفافية، ومفتقرة إلى الاعتبارات الأساسية للقانون الدولي الإنساني الذي يلزم جميع الحكومات بحماية حقوق الإنسان واحترام كرامة المدنيين. والمؤسف أن حكومة بورتسودان، بدلاً من الخضوع للمساءلة، تنجح في الاستفادة من تردد المجتمع الدولي، فتتجاوز القرارات والآليات الأممية بلا رادع.
إن من يرفع راية العدالة ويحمل مسؤولية الوساطة، يجب أن يأتيها بيدٍ نظيفة، ملتزماً بالحياد التام، بعيداً عن أي مجاملة سياسية أو اصطفاف غير مبرّر. فالشعوب لا تستأذن أحداً في انتزاع حقوقها التي تكفلها المواثيق الدولية، ولا تنتظر وسيطاً يُجامل الظالم على حساب الضحية.
إن العدالة الحقيقية تُبنى على إدانة من يستولي على سلطة الشعب، وينتهك حقوقه السياسية والمدنية والاقتصادية، ويمارس ضده القمع والإقصاء. فالحقوق تُنتزع ولا تُستجدى، والدفاع عنها تؤيده كل الشرائع والمواثيق الدولية بلا استثناء.




