رأي

لقد دخلت الحرب بيوتنا

د.عبدالله محمد آدم ... كمبالا

 

د.عبد الله محمد ادم ..كمبالا

بينما تنشغل العيون بالخطوط الأمامية للحرب، وبأزيز الطائرات ودوي الانفجارات، هناك معارك أخرى تُخاض في صمت، داخل جدران البيوت و في زوايا النفوس التي أنهكها الرعب، هناك جراح لا تُرى، وحِمل ثقيل لا يُحتمل، يتحمله من لم يمسكوا بسلاح، لكن الحرب مسكت بهم، فحولتهم إلى ضحايا وجلادين في آن واحد .

في خبر مقتضب، مر كالسهم المصيب، قتل رجل مستنفر في مدينة حلفاية الملوك، شمال بحري، عدد من أسرته.. يقال انها ثمانية أنفس انطفأت على يد من كان يفترض أن يكون سندهم وحماهم. لم تذكر التفاصيل ماذا جرى داخل تلك الجدران، لكن الثغرات في الخبر تملأها صرخات صمت، و صور مروعة يصعب ان تتخيلها العقول. أي وحشة هذه التي دبت في قلب الإنسان السوداني حتى يرفع يده على من شاركوه الحياة، والذكريات، والدم؟ شقيق و عم و خال!!

هذه ليست جريمة عابرة، بل هي النتيجة الحتمية للحرب عندما تُترك لتُنهش النسيج الاجتماعي، فالحرب لا تقتل الأحياء فقط، بل تقتل الإنسانية في الأحياء، انها تزرع الخوف، وتغذي الكراهية، وتُفجر الغضب المكبوت، حتى يصير البيت، الذي هو ملاذ الأمان، ساحة معركة أخرى، و ضحايا سلاحها هم أقرب الناس إلى القلب.

إنها الحرب البعيدة المدى، التي يحذر منها الحكماء،فكل حرب تبدأ بالدبابات وتنتهي بانهيار القيم. انها حرب لا ينهيها وقف إطلاق النار، لأن سمومها ستستمر تسري في عروق المجتمع لأجيال قادمة، فأطراف الصراع قد يتصارعون على السلطة والموارد، لكن الخسائر الحقيقية هي في هذا التمزق الذي لا يُرى، و الخسارة الاكبر في هذه الروح الجماعية التي تتداعى .

كم نادينا، وكم نادى العقلاء بان أوقفوا هذه الحرب اللعينة، ليس لأن الناس تموت فقط، بل لأن الذين يبقون أحياء قد يفقدون إنسانيتهم، كما فقدها بطل قصة الرعب في الحلفايا، لذا ان وقف الحرب ليس خطوة نحو السلام السياسي فحسب، بل هو إنقاذ لما تبقى من نسيجنا الاجتماعي، و هو وقف لنزيف الغضب قبل أن ينقلب الأبناء على الآباء، والأخ على أخيه.

ان السودان العظيم، بأرضه الواسعة و تاريخه العريق، يُحطم اليوم ليس فقط في حدوده، بل في بيوته. انه ينهار أسرةً تلو الأخرى، فكل جريمة مثل هذه هي هزة ارتدادية لزلزال الحرب الكبير، تذكرنا بأن الخراب لا يأتي فقط على شكل حطام المباني، بل على شكل تحطم الروابط، و موت الثقة، وذبول الرحمة في القلوب.

فإلى متى ونحن نرى الوطن يذوب بين أيدينا كالرمال؟ إلى متى ونحن ندفع ثمن صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ثمنًا يكون فيه فلذات أكبادنا و امهاتنتا وقودًا ؟

لننظر إلى هذه المأساة، ليس كخبر عابر، بل كصرخة أخيرة، كنداء استغاثة من كل أسرة سودانية تختنق بدخان الحرب و لنتذكر أن أعظم انتصارات الحرب هو أن تظل إنسانًا، وأن أعظم هزائمها هو أن تقتل الإنسان في داخلك عندما تدعوا لاستمرارها.

ان الوقت لم يفت بعد، لكن النافذة تضيق. فلنعمل معًا، كل من موقعه، لوقف هذا النزيف، وإطفاء هذه النيران، قبل أن لا يبقى ما يستحق البقاء و قبل ان يصل خبر عن اسرنا يشبه خبر اسرة العاقب في الحلفابا ، رحمهم الله و وقاكم شرور انفسكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!