
عبدالرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
“في أزمنة الفوضى، لا يُعرف معدن الرجال إلا حين يملك أحدهم السلاح ولا يطلق النار.”
الحرب في السودان ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل امتحان أخلاقي حقيقي يقيس جوهر القوى وقدرتها على التمسك بالقيم الإنسانية وسط الفوضى والدمار. في هذا السياق، تبرز قوات الدعم السريع كمثال فريد على أن الانتصار الحقيقي يبدأ بالأخلاق قبل أن يكون بالسلاح.
الأحداث الأخيرة في مدينة الفاشر تكشف هذه الحقيقة بوضوح. فبعد تحرير المدينة من سيطرة الجيش الموروث من الحقبة الاستعمارية، تم ضبط وإطلاق سراح الأسرى بطريقة إنسانية، في مشهد عكس مدى التزام القيادة بمبادئ القانون الدولي الإنساني وبالضوابط الأخلاقية في زمن الحرب.
الخطاب الشجاع لرئيس المجلس الرئاسي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، جاء ليؤكد التزام حكومة تأسيس بالعدالة والمساءلة، حيث أعلن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول أي تجاوزات محتملة، مؤكدًا أن المحاسبة ستطال الجميع دون استثناء. هذه اللغة الجديدة تعكس تحولاً حقيقياً في نهج القيادة السودانية، بعد عقود من الإفلات من العقاب وانتهاكات متكررة ارتكبها الجيش الموروث من الحقبة الاستعمارية، الذي لم يكن يوماً نموذجاً للعدالة أو حماية المدنيين.
لقد كان إطلاق سراح الأسرى مثالاً حيّاً على فلسفة قائد التأسيس، الذي يعكس من خلال تصرفاته رؤية رجل دولة واعٍ: أن التغيير لا يُبنى بالدم وحده، بل بالضمير، والعدالة، والالتزام بالقيم. وقد ذرفت العيون دموع الامتنان حين شعر الأسرى بأن حياتهم لم تُهان وأن كرامتهم صونت، وهو مشهد لم نعهده من قبل في النزاعات السودانية، ويُظهر الفارق الواضح بين النصر الإنساني والنصر العسكري التقليدي.
“من لا يُعيد بناء جيشه على قيم العدل، سيعيد إنتاج الخراب بأسماء جديدة.”
على النقيض، ظل الجيش الموروث من الاستعمار رمزاً للإفلات من العقاب، يرتكب الجرائم دون محاسبة، ويقتل الأسرى ويقصف المدن بلا وعي إنساني. التاريخ يؤكد أنه حين وُقعت اتفاقية السلام الشامل عام 2005، لم يُقدّم الجيش أي أسير، بينما سلمت الحركة الشعبية أكثر من ألفي أسير كانوا في قبضتها، لتتجلى فجوة واضحة بين قيم العدالة والانتقام.
إن السودان اليوم بحاجة إلى جيش جديد ينتمي للشعب، يحمي الإنسان، يؤمن بالتنوع، ويصون حقوق الجميع، بدلاً من أن يكون أداة للقمع والفساد. النصر الحقيقي لا يقاس بالقوة العسكرية، بل بمدى التزام المؤسسة العسكرية بالمبادئ الإنسانية والقانونية التي تحفظ كرامة الإنسان وتؤسس لدولة القانون.
إن الانتصار الأخلاقي هو القاعدة التي يجب أن تبنى عليها قوة السودان المستقبلية، وهو الطريق لضمان استقرار دائم وكرامة حقيقية لكل مواطن. وعندما تنتصر الأخلاق قبل السلاح، يكون النصر أكثر دواماً وتأثيراً في تاريخ الأمة ومستقبلها.




