الإسلام في السودان بين رسالته السمحة وتشويه جماعة الهوس الديني: قراءة في إرث السلطة والفساد والانهيار
عبد الرحمن ابو رندة... بنسلفانيا

عبد الرحمن ابو رندة… بنسلفانيا
المؤسف حقًا أن يُستغل الإسلام كدين للرحمة والعدل والمساواة والشورى، ليصبح أداة في يد جماعة الهوس الديني التي شوهت جوهره، وحولت الدولة إلى آلة عقابية مارست انتهاكات واسعة النطاق. حكم هذه الجماعة كان تجربة موغلة في السوء، ربما تكون الأسوأ في تاريخ السودان الحديث، إذ أضعف مؤسسات الدولة الهشة وأدخل البلاد في عزلة دولية خانقة، ورفع منسوب تصنيفها كدولة راعية للإرهاب، نتيجة احتضانها للحركات المتطرفة وسوء إدارة السلطة.
تجربة الإسلامويين في السودان لم تُبنى على أسس المواطنة أو العقد الاجتماعي، بل على استخدام الدين كأداة للوصول إلى السلطة، وإقصاء كل من يعارضهم سياسيًا أو فكريًا. فقد عمدت هذه الجماعة إلى نشر الخوف، وفرض الولاء الأيديولوجي، وتهميش الكفاءات، واستبدالها بموظفين يعتمد ولاؤهم على الانتماء السياسي والمناطقي والإثني، ما أدى إلى تآكل المؤسسات العامة وتعطيل قدراتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
الفساد الاقتصادي كان سمة رئيسية في تجربتهم، إذ تمكين عناصر التنظيم من الاحتكارات والإعفاءات الجمركية والضريبية، وفتح مجالات الاستيراد والتصدير تحت سيطرتهم، أدى إلى انهيار الاقتصاد، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتراكم الديون، وارتفاع مستويات التضخم والبطالة. كما صاحب هذه السياسات خصخصة واسعة شابها فساد كبير، شملت بيع مؤسسات الدولة الحيوية مثل الخطوط الجوية والنقل النهري والموانئ، وتوظيف عوائد النفط في دعم الأجهزة الأمنية لقمع الشعب بدلاً من تنمية البلاد.
الحروب والصراعات كانت أداة أخرى في مشروعهم، إذ أشعلوا النزاعات في مختلف الولايات، بما في ذلك مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان والشرق. هذه الحروب خلقت واقعًا مأساويًا، راح ضحيته مئات الآلاف، إلى جانب التهجير القسري، وارتكاب جرائم موثقة للإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وعندما ثار الشعب ضدهم مطالبًا بالحرية والعدالة، اختاروا استخدام العنف لتثبيت سلطتهم، معتمدين على القوة العسكرية والسيطرة الأمنية، دون أي اعتبار لحق المواطنين في الحكم والمشاركة في صنع القرار.
الجانب الأمني في تجربتهم كان شديد القسوة، حيث تحوّل جهاز الأمن والمخابرات إلى أداة قمعية، معروف عالميًا بأنه من بين أكثر الأجهزة قسوة في العالم، مستخدمًا التعذيب والابتزاز وسوء المعاملة كوسائل رئيسية لإخضاع المعارضة. هذا السلوك الأمني، إلى جانب سياسات التمكين والاستغلال الاقتصادي، عمّق من عزلة السودان، وجعل العالم ينفر من التعامل مع البلاد، ويعتبرها منطقة موبوءة، غير قادرة على الانخراط في الاقتصاد أو التعاون الدولي بشكل سليم.
إن هذه التجربة توضح بجلاء أن الإسلام، كدين عالمي للعدالة والمساواة والرحمة، يمكن أن يُشوه عندما يُوظف كأداة للوصول إلى السلطة السياسية بالقهر والإقصاء. كل السياسات المدمرة التي اتبعتها جماعة الهوس الديني أظهرت أن الدين لا يمكن أن يكون غطاءً للاستبداد والفساد وإشعال الحروب، وأن استغلال الدين لمصالح ضيقة هو الطريق إلى الانهيار، لا إلى التنمية والاستقرار.
الحل، بلا شك، يكمن في استعادة الدولة المدنية الديمقراطية، التي تقوم على العقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية، وتحمي حقوق جميع المواطنين، وتعيد بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن الاستغلال الديني للسلطة. ويجب أن تكون هذه الدولة رافعة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وقادرة على حماية الشعب من الفساد والاستبداد، وإتاحة الفرصة لكل السودانيين للمشاركة في القرار وصنع مستقبل بلادهم بأمان وعدالة.
السودان أمام مفترق طرق؛ إما أن يستمر في الدمار والانهيار بسبب استخدام الدين أداة للسيطرة، أو يستعيد الدولة المدنية والمواطنة، ليصبح الوطن للجميع، وتعود مؤسسات الدولة لتؤدي دورها الحقيقي في حماية الشعب وتوفير العدالة والكرامة للجميع.




