رأي

توطين أزمة المركز والهامش في دارفور وكردفان: تحليل خطاب “بقارة وابالة” وآثاره على الوحدة الوطنية

م. عدنان إبراهيم عيسي

 

 م.عدنان إبراهيم عيسى

شهدت مجتمعات دارفور وكردفان في الأعوام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في خطاب التفريق الداخلي، الذي يتخذ من ثنائية بقارة. وأبالة ” غطاءً سطحياً، بينما يخفي في جوهره محاولة متعمدة لإعادة إنتاج نظرية المركز والهامش داخل المجتمع نفسه. هذه الثنائية لا تعكس اختلافاً بسيطاً في نمط الرعي أو الثقافة المحلية، وإنما تُستغل لإعادة هندسة العلاقات الاجتماعية، وتحويل التنوع الطبيعي إلى وسيلة للصراع والفصل بين المجتمعات.

الخطاب الحالي ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم طويل لجهود داخلية وخارجية استغلت هشاشة الدولة السودانية، وتراث التهميش، وتعقيدات الصراع المسلح، لإدخال المجتمعات المحلية في نزاعات جانبية تضعف قدرتها على بناء مشروع وطني جامع. على مدى عقود، شكّلت مجتمعات دارفور وكردفان نموذجاً للوحدة والتعايش. فالأسر والقبائل امتزجت عبر المصاهرة، والأسواق المشتركة، واستخدام الموارد، والتعايش السلمي. لم يكن التفريق عبر خطوط مثل “أبّالة” و“بقارة” ذا معنى، فالهوية هناك مركبة، تجمع بين العربي وغير العربي، والرعوي والزراعي، والرحل والمقيم، والصوفي والمسالم، في نسيج اجتماعي ظل يقاوم موجات التفتيت.

ما نشهده اليوم هو محاولات ممنهجة لزرع الشكوك، وإحياء الفوارق التاريخية، وإعادة تفسيرها بمنطق صدامي. تُستثمر هذه الخطابات لإعادة تشكيل وعي جديد يقوم على العزل والشحن الجهوي، وتضليل الشباب، وإقناعهم بأن مستقبلهم مرتبط بهوية فرعية ضيقة، لا بهويتهم ضمن الشعب السوداني الأكبر. الخطورة هنا تتجاوز مجرد تراشق كلامي؛ إنها سيناريو استخباراتي سياسي يهدف إلى تعطيل أي مشروع وطني وإعادة توزيع الولاءات بما يخدم أجندات ضيقة، مستغلاً النزاعات المحلية كوسيلة للوصول إلى السلطة.

محاولات شق الصف الاجتماعي تحت عنوان “أبّالة وبقارة” هي مشروع لإعادة هندسة الإقليم وفق منظور عنصري، يحوّل التنوع الطبيعي إلى صراع وجودي، ويمزق الروابط المجتمعية التي حافظت عليها الأجيال رغم الحروب والجفاف والتهجير. هذه الجهود تسعى لإعادة صياغة وعي المجتمع، وتحويل الجغرافيا إلى خطوط تماس، وتحويل الجوار إلى خصومة، وتحويل التاريخ المشترك إلى عبء بدلاً من أن يكون مصدر قوة.

مواجهة هذا الخطاب واجب وطني وأخلاقي. تبدأ المواجهة بفضح أهدافه، وتفكيك آلياته، وتوعية المجتمع—وخاصة الشباب—بأن ما يُروّج له ليس سوى صراع مجاني يستهلك طاقاتهم، ويعوق الاستقرار، ويعزل الإقليم عن بقية الوطن. كما تتطلب المواجهة تعزيز خطاب جامع يقوم على حقيقة ثابتة: أن دارفور وكردفان هما فضاءان اجتماعيان متداخلان، يشكلان نسيجاً حضارياً لا يمكن فصله، ولا يمكن لأي خطاب مصطنع أن يعيد تشكيله وفق مصالح ضيقة وعصبيات طارئة.

حماية النسيج الاجتماعي في دارفور وكردفان تعني حماية السودان ككل، وتشكل خطوة أساسية في تعزيز مشروع التحرر الوطني وإعادة بناء الدولة على أسس عادلة، تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة. إن إفشال خطاب التفكيك القائم على “أبّالة وبقارة” ليس دفاعاً عن هوية محلية فحسب، بل هو دفاع عن مستقبل السودان، وعن الدولة الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة لصالح الكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!