رأي

الجيوش تحرس شعوبها ولكن بازنقر السودان يطالبوننا بحراستهم؛

عباس أحمد السخي

 

 عباس احمد السخي 

الجيوش في المنطق الوطني هي مؤسسات يُناط بها حماية الشعوب وصون ترابها وحدودها، وهي تنشأ وتُموَّل وتُمدّ بالعتاد والرجال لأجل تلك المهمة الجوهرية التي تتقدم كل الوظائف الأخرى. غير أنّ التجربة السودانية في تاريخها الحديث أفرزت وضعًا شاذًا، تحوّلت فيه العلاقة بين الجيش والشعب من علاقة حماية إلى معادلة معكوسة يطالب فيها المسؤولون عن الجيشُ شعبهم بالهبّة لحمايته. وقد عبّر طارق كيجاب العميد السابق بالجيش السوداني، وأحد الأصوات المقرّبة من القيادة العسكرية، عن هذه المفارقة حين خاطب السودانيين قائلًا: “أيها السودانيون هبّوا لحماية جيشكم”. عبارة كهذه تكشف حجم الخلل وتضع سؤالًا جوهريًا أمام السودانيين: إذا كان الجيش يحتاج إلى حماية الشعب، فماذا تبقّى من وظيفته الأصلية؟ وما معنى أن يتحوّل المُفترَض أنه الحارس إلى جهة تستنجد بالمحروس؟

منذ تفجّر الحرب في أبريل 2023، تكرّست صورة الجيش كقوة لا تعطي الأولوية لحماية المواطنين في المناطق التي تصلها العمليات العسكرية. فبدلاً من أن يكون وجوده عامل أمان، صار الانسحاب المفاجئ هو العنوان الأبرز لسلوك وحداته الميدانية. مدينة ودمدني مثال صارخ: في مساء اليوم الذي ظهر فيه الجيش محتفلًا مع المواطنين، مطمئنًا لهم بأن المدينة في عهدته، انسحبت قواته فجراً تاركة سكانًا عزّل لمصيرهم القاسي. المشهد ذاته تكرّر في سنجة ومدن أخرى، حيث باتت المعادلة واضحة: الجيش يقاتل فقط لحماية قواعده، بينما يترك المواطن وحيدًا أمام نيران الحرب.

إن المؤسسة التي يفترض أن تشكّل الغطاء الأمني للشعب كانت تتحرك بعقلية الثكنة، لا بعقلية الدولة، وكأن حماية المدن والأرياف ليست جزءًا من حساباتها ولا ضمن واجباتها تجاه من تُقتطع ميزانياتها من قوتهم.

ومع ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في مفارقة مؤلمة. فاليوم يخرج قائد الجيش، عبدالفتاح البرهان، بنداء جديد يطالب فيه الشعب السوداني بالتطوع والقتال إلى جانب الجيش. الجيش ذاته الذي انقلب على ثورة ديسمبر المجيدة، وأجهض أحلام جيل كامل خرج يطالب بالحرية والعدالة والمستقبل. الجيش الذي قتل نحو ألف من الشباب والشابات أمام بوابة قيادته العامة في مجزرة ظلت محفورة في ذاكرة كل سوداني. أولئك الشباب والشابات المغدورين الذين رُمِيت جثثهم في النيل مُثقلة بالحجارة، وكأن المطلوب أن يبتلع النهر الجريمة إلى الأبد. أي مفارقة أبشع من أن يأتي طلب القتال من نفس المؤسسة التي لم تكتفِ بقتل شبابها السلميين، بل تجرأت على جسد الذاكرة السودانية نفسها؟

هذا النداء، في حقيقته، ليس إلا استجداءً سياسيًا وعسكريًا لجيش فقد شرعيته أمام شعبٍ يعرف تمامًا من يقتله ومن يحرمه من أحلامه. الشعب السوداني قال كلمته بوضوح: لن نقاتل مع جيشٍ جعل من قتلنا وظيفته اليومية، ومن سحق تطلعاتنا مهمته الدائمة. جيشٌ لم يرَ في السودانيين مواطنين يستحقون الحماية، بل رآهم كتلة يجب التحكم فيها بالقهر والرصاص، لا يمكنه أن يطلب اليوم عون من جعلهم خصومه في ساحات السياسة والدم.

الشعب الذي خرج في ديسمبر لم يخرج ليبني جيشًا يقاتل به، بل ليبني دولة عادلة تحمي الجميع. اليوم يسعى السودانيون، رغم أوجاع الحرب، إلى استعادة سلام شامل يعيد لبلادهم وحدتها على تعدد شعوبها وهوياتها، ويبني علاقة جديدة بين القوات المسلحة والمجتمع قائمة على العقد الوطني، لا على الاستدعاء المتكرر للموت.

إن الشعب، الذي تحمّل سنوات من الخذلان والانقلابات والوعود المنكوثة، لم يعد مستعدًا ليكون وقودًا لأي حرب مجددًا. السودانيون بوضوح كامل يرفضون الانخراط في معارك لا تخدم إلا من يقتاتون على بقاء البلاد معلّقة على فوهة البندقية. لقد أثبتت التجربة أن الحرب لا تنتج الأمن، وأن حماية الجيش لا يمكن أن تتحقق بدماء المدنيين، وأن القوات المسلحة التي تحتاج الشعب لحمايتها فقدت تعريفها المهني قبل أن تفقد وظيفتها.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق. إما أن تستعيد المؤسسة العسكرية دورها الطبيعي كقوة وطنية حامية، خاضعة للسلطة المدنية، وإما أن تبقى أسيرة عقلية الاستنفار الشعبي، التي لا تُنتج دولة.

الشعب السوداني اختار مستقبله، ولن يعود خطوة إلى الوراء. اختار السلام لا الحرب، الحياة لا الموت، وبناء دولة تحميه لا مؤسسة تطلب منه أن يحميها.

وما دام هذا الوعي قد تكرّس، فلن ينجح أي نداء جديد، ولا أي خطاب يتخفّى خلف شعارات الوطنية، في جرّ السودانيين مرة أخرى إلى معارك لا تشبههم ولا تمثل أحلامهم. فهذه البلاد التي لم تُهزم يومًا بالإرهاب أو القمع ستصنع جيشها الحقيقي يوم تختار السلم وتؤسّس دولة تستحق أن تُحمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!