رأي

لماذا لا يخاف الدعم السريع من التحقيق… بينما يخاف منه جيش البرهان؟  تحليل في الوقائع، التوصيف القانوني، والتناقضات

د.احمد التجاني سيد أحمد

 

د.احمد التيجاني سيد احمد ١٦ نوفمبر ٢٠٢٥ 

شهدت جلسة مجلس حقوق الإنسان الخاصة بشأن أحداث الفاشر لحظة كاشفة لمسار الحرب السودانية ومسار الدولة نفسها:

وفد سلطة بورتسودان (جيش البرهان + حكومة الأمر الواقع) وافق على القرار بالإجماع، ثم طلب الكلمة بعد اعتماده ليعلن تحفظه على أربع فقرات هي قلب القرار وروحه.

الفقرات (14، 15، 16، 17) تتعلق بالآتي:

– فتح تحقيق عاجل

– تحديد المسؤولين عن الانتهاكات

– تكامل آليات المساءلة الدولية والوطنية

– تقديم تقرير رسمي للمجلس

هذا التراجع المفاجئ أثار استغراب الدول الغربية والحقوقية، لأنه نسف علنًا خطابات الجيش والحكومة التي طالبت قبل أسابيع فقط بتدخل دولي “لكشف الحقائق”.

ومن هنا يبرز السؤال الذي تهربت منه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان:

لماذا يخاف الجيش من التحقيق؟

ولماذا لا يخاف منه الدعم السريع؟

الإجابة تكمن في التوصيف القانوني للأطراف، وفي التناقضات التي لم يعد ممكناً إخفاؤها.

أولاً: التناقض الأكبر — من المطالبة بالتحقيق… إلى الهروب منه

في 27 أكتوبر 2025، أصدرت حكومة بورسودان بيانًا رسمياً تطالب فيه المجتمع الدولي بـ:

– اتخاذ موقف حاسم تجاه أحداث الفاشر

– محاسبة مرتكبي الجرائم

– عدم الإفلات من العقاب

وفي اليوم ذاته، دعت القيادة العامة للقوات المسلحة الأمم المتحدة إلى “تحمّل مسؤولياتها” و“تحريك آليات التحقيق الدولي”.

لكن عندما جاء القرار الأممي الحقيقي:

تهرب الوفد… تحفظ… ثم تراجع عن تعهداته.

السؤال الأول إذن:

لماذا خاف جيش البرهان من الآلية التي طالب بها بنفسه؟

ثانيًا: التوصيف القانوني والسياسي — من هو الدولة؟ ومن هو القوة المسلحة؟ ومن هو مشروع السودان الموحد؟

لفهم المواقف يجب أولًا إعادة تعريف الأطراف الثلاثة كما هي في الواقع، لا كما يروج لها الخطاب الرسمي.

1. قوات الدعم السريع: قوة مسلحة وجزء من مشروع سلطة السودان الموحّد  

قوات الدعم السريع ليست “سلطة أمر واقع”، وليست “حكومة موازية”، ولا تسعى لاعتراف دولي مستقل.

بل هي قوة مسلحة سودانية تعمل ضمن مشروع تحالف التأسيس لتأسيس سلطة السودان الموحّد — الدولة الجديدة التي ستقوم على دستور تأسيسي واحد وبندقية واحدة.

هي جزء من مشروع سياسي–وطني أكبر، لا مشروع خاص، ولا كيان منفصل عن السودان.

ولهذا فهي لا تخشى التحقيق الدولي: لأنها ليست “الدولة المتهمة”، ولأن التحقيق لن يُحمِّلها مسؤوليات سيادية، ولأن المشروع الذي تنتمي إليه (التأسيس) يرحب بالمساءلة كمدخل لبناء دولة عادلة.

2. سلطة بورتسودان: The De Facto Authority  

بحكم القانون الدولي، تعتبر هذه الجهة — جيش البرهان و حكومة بورسودان — هي سلطة الأمر الواقع للدولة، وبالتالي تتحمل وحدها:

– مسؤولية حماية المدنيين

– منح التأشيرات

– التعاون مع لجان التحقيق

– احترام قرارات الأمم المتحدة

أي تحفظ منها ليس “رأيًا سياسيًا”، بل محاولة واضحة لتقييد التحقيق الدولي.

3. تحالف التأسيس: مشروع سلطة السودان الموحّد (دولة قيد التأسيس)

تحالف التأسيس ليس فصيلاً محليًا، ولا مكوّنًا جهويًا، ولا سلطة جزئية.

بل هو مشروع سياسي–مدني–عسكري يعمل لتأسيس “سلطة السودان الموحّد” — الدولة الجديدة التي تتجاوز حدود دولة 1956.

إطار السلطة التأسيسية معلن، لكن أركان الدولة لم تكتمل بعد.

ولم يطلب التحالف اعترافًا دوليًا لأنه لا يحكم إقليمًا، بل يبني مشروع الدولة السودانية الواحدة.

ثالثًا: لماذا يخاف جيش البرهان من التحقيق؟

1. لأن التحقيق سيضع “الدولة” في قفص الاتهام

2. لأنه جيش يحمل تراكم جرائم ٥٦ عامًا

3. التحقيق يكشف شبكة التحالفات الخارجية

4. التحقيق يسقط أخطر رواية يرفعها جيش البرهان: “نحن الدولة”

رابعًا: لماذا لا يخاف الدعم السريع؟

1. لأنه ليس الدولة

2. لأنه جزء من مشروع سياسي أكبر (التأسيس)

3. لأن التحقيق سيفتح ملفات الجيش أيضًا  

4. لأنه يربح سياسيًا من موقع “الطرف غير المذعور”هو القوة التي لا تُظهر خوفًا من التحقيق الدولي تبدو أمام الداخل والخارج كطرف واثق ليس لديه ما يخفيه. ففي السياسة الدولية، الطرف الذي يتهرّب من التحقيق يظهر كأنه مذنب، بينما الطرف الذي يرحّب بالتحقيق يُنظر إليه باعتباره أقل تورطًا وأكثر استعدادًا للمساءلة. هذا يمنح الدعم السريع مكسبًا سياسيًا واضحًا لأنه يقدّم نفسه كقوة لا تخشى الحقيقة، مقابل طرف آخر تبدو عليه علامات الخوف والتردد، الأمر الذي يثير الشكوك حوله

خامسًا: الأسئلة التي تفضح التناقض

– لماذا وافق وفد بورتسودان بالإجماع على القرار ثم تحفظ؟

– كيف تطالب حكومة بورسودان و جيش البرهان بالتحقيق ثم يرفضان آليته؟

– لماذا لم يعترض الدعم السريع على أي فقرة؟

– لماذا تخشى سلطة الأمر الواقع الفقرة 15؟

– هل التحقيق سيكشف الدعم العسكري المصري والإيراني؟

الخلاصة

ليست المسألة “من ارتكب ماذا؟” بل من يستطيع مواجهة التحقيق… ومن يهرب منه؟

قوات الدعم السريع: قوة مسلحة سودانية وجزء من مشروع سلطة السودان الموحد تحت تحالف التأسيس لا تخشى التحقيق لأنها ليست “دولة” تُدان بجرائم سيادية.

سلطة بورتسودان (جيش البرهان): تخشى التحقيق لأنه يضع الدولة نفسها على منصة الاتهام.

تحالف التأسيس: مشروع سلطة السودان الموحّد  دولة قيد التأسيس — يرحب بالتحقيق كمدخل لبناء دولة جديدة.

البريد الإلكتروني:

 ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!