
د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
في لحظات الانهيار الكبرى التي تمر بها الأوطان، يتجلى المعدن الحقيقي للمؤسسات التي يناط بها حماية مواطنيها. وفي السودان، لم يعد السؤال يدور حول قدرة الجيش على حماية الشعب، بل حول لماذا أصبح الشعب نفسه هدفًا للخذلان والقمع والموت مرتين: مرة حين يقتله الرصاص، ومرة حين تقتله الخيانة. ولهذا أكتب اليوم: لا تقتلونا مرتين أيها البازنقر.
لقد دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات تجربة موجعة عاشتها زميلتي العزيزة منال أحمد بابكر، وهي تجربة ليست فردية بقدر ما تمثل نموذجًا لتراجيديا عامة عاشتها آلاف الأسر في ربوع السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
كانت منال وزوجها عثمان إسماعيل بابكر وأطفالهم الثلاثة يحاولون الخروج من مدينة الفاشر قبل أن تشتد المعارك، بحثًا عن ملاذ آمن بعيد عن جحيم الرصاص. غير أن الجيش والحركات العرقية المساندة له ، التي يفترض أنها تحميهم، كان في انتظارهم عند بوابة المدينة الجنوبية الغربية، حيث تم توقيف الأسرة بصرامة وبدون تفسير. أُجبروا على العودة إلى داخل المدينة، وكأنهم ليسوا مواطنين يهربون من الموت، بل مواد أولية لدروع بشرية تُستغل في خطوط النار. عند تلك اللحظة أدركت منال أن حماية المدنيين لم تكن يومًا جزءًا من حسابات هذه المؤسسة.
لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد اقتادت قوة من الجيش زوجها عثمان إلى جهة مجهولة، بلا مذكرة، بلا أسباب، بلا ضمانة، وكأن حياة الناس تُختطف بسهولة ورقة شجر في مهبّ الريح. بقيت منال وحدها مع أطفالها، محاطة بالخوف والضياع، لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم أضيف إلى قائمة المفقودين الذين تبتلعهم الحرب ولا تعيد لهم أثرًا. ومنذ تلك اللحظة وحتى كتابة هذه السطور، لا تزال منال تجهل مصير عثمان، ولا تملك سوى الدعاء وانتظار المستحيل.
تقول منال إن المدينة تحولت في تلك الأيام إلى مصيدة، وإن الأصوات التي زعمت أن الجيش يحمي الناس كانت مجرد صدى لحقيقة مقلوبة. فحين اشتدت المعارك وبدأت قوات الدعم السريع عملية السيطرة على الفاشر في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، وجدت منال نفسها وأطفالها أمام تساقط الرصاص كالمطر. كانت تحاول فقط أن تبقى على قيد الحياة، بينما لم يكن هناك أي جندي لتوجيه المدنيين أو نقلهم أو توفير الحد الأدنى من الحماية.
وعندما استطاعت أن تصل إلى مكان بدا أكثر أمنًا، اكتشفت ما هو أفظع: قادة الجيش قد هربوا منذ اللحظات الأولى، تاركين المواطنين، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، لمواجهة مصيرهم في مدينة تنفجر من أطرافها. لم يكن هناك جيش يقاتل دفاعًا عنهم، ولا خطة لإجلائهم، ولا حرص على حياتهم. ما كان موجودًا فقط هو الخوف، والتخلي، والخذلان الكامل.
أمام هذا المشهد، تتداعى أسئلة دامية:
ما هو الجيش الذي يزج بالمواطنين قسرًا ليكونوا دروعًا بشرية؟ ما هو الجيش الذي يعتقل الأب ثم يترك زوجته وأطفاله فريسة للفوضى؟ ما هو الجيش الذي ينسحب دون إخطار، تاركًا الناس تحت وابل الرصاص؟ وأي جيش هذا الذي يطالب الشعب لاحقًا بأن يقاتل معه، وأن يموت من أجله؟
تجربة منال ليست استثناءً، بل هي مرآة لوضع صار فيه الجيش السوداني منشغلًا بحماية قواعده فقط، لا بحماية أبناء هذا الوطن. لقد تكررت القصص نفسها في ود مدني، وفي سنجة، وفي مناطق عديدة انسحب فيها الجيش بعد أن طمأن الناس، ثم تركهم فريسة للموت. ومع ذلك، يخرج قادة المؤسسة ذاتها يطالبون الشعب بالهُبّة لحمايتهم! أي مفارقة هذه؟ وأي استهزاء بذاكرة الناس ودمائهم؟
حين يفقد الجيش احترام مواطنيه، يفقد معه شرعيته الأخلاقية قبل شرعيته الدستورية. وحين يتحول إلى قوة تخشى شعبها أكثر مما تحميه، يصبح الحديث عن الوطنية مجرد غطاء لواقع قاسٍ. السودانيون اليوم لا يبحثون عن جيش يطلب منهم التضحية، بل عن بلد يمكنهم العيش فيه دون خوف، وعن مستقبل يُبنى على السلام لا على تجنيد الأطفال والشباب في حرب بلا معنى.
نحن، كشعب، لم نعد مستعدين للموت بالوكالة، لا دفاعًا عن أشخاص ولا عن مؤسسات قتلت أحلامنا قبل أن تقتل أجسادنا. إذا كان الجيش يريد استعادة مكانته، فليبدأ أولًا بالاعتراف بأخطائه، وبكفّ الأذى عن المدنيين، وبالتوقف عن استدعاء الشعب ليكون درعًا لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
تقول منال إن أسوأ ما شعرت به ليس الرصاص ولا الخوف، بل الإحساس بأن المؤسسة التي كان يجب أن تحميها قد خانتها. وهذا هو معنى الموت مرتين:
مرة حين يقتلك الرصاص، ومرة حين يقتلك من ادعى حمايتك.
لهذا نقول اليوم، وبصوت كل امرأة فقدت زوجًا، وكل طفل فقد أبًا، وكل أسرة دفعت ثمن حرب ليست حربها: لا تقتلونا مرتين أيها البازنقر.
نريد سلامًا يعيد لنا بلادنا، ولا نريد مزيدًا من المقابر المفتوحة. نريد دولة تحترم مواطنيها، لا جيشًا يستنزفهم. نريد حياة تليق بنا كبشر، لا موتًا مجانيًا يُفرض علينا باسم الوطنية.




