
علي سانتينو
ومنذ اندلاع حرب 15 أبريل في السودان، لم يعد ميدان القتال هو الأرض وحدها، فقد اصبح الميدان هو الفضاء الإعلامي الاخر، وفي هذا الفضاء تحديداً، برع الإسلاميون وما تبقى من شبكاتهم في صناعة أكبر عملية تضليل سياسي في التاريخ الحديث. لم يكن الهدف من هذا التضليل هو تفسير الحرب، الهدف هو إخفاء أصل الحرب التي شنّتها دوائر الإسلامويين دفاعاً عن نفوذهم الآفل، وعن شبكة مصالح دولية وإقليمية عملت في الظل، ويراد لها أن تبقى في الظل!
من الواضح ان غرف التضليل التابعة لهذا التنظيم الجبان، لم تُنشأ لإعلام الناس كما تبدو الرسالة، ولكن انشأت لجرّ الناس كالقطيع نحو رواية واحدة، تُنتج أكاذيب وتزين بانتصارات وهمية، حتى يبدو القاتل ضحية، والمهزوم منتصراً، والخراب مشروعاً للكرامة. ما فعله هؤلاء لم يكن تزيين خطاب، هو إعادة هندسة كاملة للواقع. يتم ذلك عبر فيديوهات مُفبركة، ومواد مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ومقاطع منزوعة السياق، حٍشَرت في آلة إعلامية مهمتها اختطاف وعي المشاهد وسحب انظارة الى مسرح خداعي!
بلغت الجرأة من هؤلاء القوم حدّاً وقحاً حين دفعوا بسردية السيطرة على مدينة الفاشر وصمودها امام قوات الدعم السريع، وكأنها نصر تاريخياً، بينما كانت الوقائع تنسف هذه الحكاية من أساسها. وعندما ذهبت بعض القنوات للتحقق، كانت الفضيحة: مقاطع مُصممة رقمياً، ومشاهد لا وجود لها على الأرض، وانتصارات لا تتجاوز شاشة الهاتف المحمول. كانت محاولة مكشوفة لإخفاء مشروع سياسي انهار بسقوط البشير، وتحويل معركة وجود الإسلاميين إلى ملحمة وطنية تسمى معركة الكرامة!
الأخطر أن بعض الفضائيات العربية كالجزيرة والحدث يرى قطاع واسع من السودانيين التحاقها كالعادة بركب السردية الجاهزة، سواء بعجز مهني أو بخضوع لهيمنة كوادر محسوبة على الإسلامويين داخل استديوهاتها. فخطاب الجزيرة والعربية والحدث في كثير من تغطياته، بدا أقرب لتصورات الإسلاميين منه لحقائق الميدان. ليس ذلك اتهاماً بقدر ما هو قراءة لواقع فقد فيه الجمهور ثقته بهذه القنوات التي بدت وكأنها تسوّق لرواية موجهة مسبقاً أكثر من بحثها عن المعلومات!
لقد تصرف الإسلاميون كما لو أن التاريخ يمكن إعادة كتابته عبر مونتاج، وأن البلاد يمكن إعادة صبّها في القالب الذي يناسبهم لو نجحت ماكينة الأكاذيب بما يكفي. ظنّوا أن الجمهور سيبتلع كل شيء، الفيديو المفبرك، التصريح المقتطع، والانتصار المفبرك على سيرفرات غرف عملياتهم. لكنهم نسوا حقيقة بسيطة هي أن الوعي السوداني الذي أسقط مشروعهم من قبل لن يقع في ذات الفخّ مرة أخرى!
ومع مرور الوقت، لم تنكشف الفبركة فحسب، بل انكشف معها حجم الرعب داخل التنظيم الارهابي من لحظة ما بعد الحقيقة. فالمعركة الإعلامية التي أطلقوها لم تكن دفاعاً عن جيش أو وطن، وانما كانت محاولة يائسة لإعادة تدوير نفس المشروع الذي لفظه الشارع السوداني بقوة. وكلما اشتدّ السقوط العسكري والميداني، زادت معه ضوضاء انتصاراتهم المصنوعة. وكلما ضاق عليهم الخناق، بثوا خيالاً جديداً ومزيد من الفبركات الجاهزة للجمهور!
اليوم، لا يختلف اثنان في السودان على أن ما جرى لم يكن تغطية إعلامية للحرب وانما عملية تضليل ممنهجة، استخدم فيها الاخوان الإسلاميون كل ما استطاعوا من أدوات لتزييف الوعي وخداع العالم. ومع ذلك كله خسروا المعركة التي أرادوا احتكارها، انها معركة الحقيقة الفاضحة التي جنوا ثمارها في الفاشر كذباً وتغبيشاً للحقائق!
لقد انهارت الرواية الكيزانية الكذوبة، وتعرّت الفبركة، وما تبقى الآن مجرد سؤال واحد: إذا كان هذا المشروع السياسي لا يملك إلا الأكاذيب والتضليل درعاً لمستقبله، فعمّ يدافع أصلاً؟



