
عبد الناصر آدم حمزة (ودالشهيد)
منذ أن نال السودان استقلاله في العام 1956، تحول الوطن تدريجياً من حلم التحرر إلى ساحة لصراعات مستمرة، فرضتها نخب سياسية وعسكرية هيمنت على مفاصل الحكم، واحتكرت السلطة والثروة على حساب الشعب. هذه السيطرة المركزية قسمت المجتمع إلى هامش ومركز، وفرضت قيوداً على من أراد المشاركة في صنع القرار، وفرضت صكوك الانتماء وقيود الهوية، ما دفع البعض للجوء إلى السلاح كوسيلة لمطالبة المواطنين بحقوقهم ومواطنتهم الكاملة.
في هذا المناخ نشأت العديد من الحركات المسلحة، التي أعلنت التزامها بتحرير المهمشين وتحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية. ولدهشة الشعب، كانت هذه الحركات في بداياتها تبدو وكأنها الصوت الذي يمثلهم، والحصن الذي يحمّي حقوقهم، في مواجهة السلطة المركزية التي استأثرت بالموارد والمناصب لعقود. التزام الحركات بالمبادئ المعلنة جذب الآمال والتوقعات، واعتقد الكثيرون أن هذه الكيانات هي وسيلة لاستعادة الكرامة والحقوق المسلوبة.
ولكن مع مرور الزمن، بدأت الأقنعة تسقط، وظهرت الحقائق المخفية وراء شعارات النضال. فتبين أن بعض هذه الحركات لم تكن تسعى أبداً لتحقيق العدالة للشعب المهمش، وإنما ركزت على مصالحها الشخصية والأجندات الضيقة. تحولت إلى أدوات للارتزاق، تجني أرباحها على حساب دماء البسطاء، مستغلة آمال الناس وأحلامهم في حياة أفضل. وفي الوقت الذي كانت فيه شعارات التحرير والعدالة تتردد، كانت هذه الحركات تمارس التضليل، فتساقطت شعاراتها وأوهامها كما تتساقط أوراق الشجر عند هبوب الرياح.
لقد أضحى واضحاً أن النضال الزائف ليس مجرد فشل أخلاقي، بل يمثل جريمة ضد من وضعوا ثقتهم في هذه الحركات، وتسبب في استمرار معاناة آلاف السودانيين الذين ظنوا أن أحداً سيعيد إليهم حقوقهم. فالذين مارسوا النضال الزائف خانوا الشعب، وعبثوا بمستقبله، واستغلوا معاناته لأجل مكاسب آنية، تاركين وراءهم خراباً وتشتتاً وانقسامات عميقة.
إن تاريخ هذه الحركات يعلمنا درساً صارخاً: أن النضال الحقيقي لا يُقاس بالشعارات المعلنة أو الأهداف المرفوعة، بل بالصدق في السعي، وبالوفاء للناس الذين يضعون فيك أملهم، وبالقدرة على ترجمة المبادئ إلى أفعال ملموسة تحمي المواطن وتضمن العدالة والمساواة للجميع. أما الذين اختاروا المصلحة الشخصية على حساب الوطن والمواطن، فسيسقطون أمام الحقيقة كما سقطت أوهامهم، وستظل دماء البسطاء شاهدة على زيف مسعاهم.
وفي النهاية، يبقى الشعب السوداني صامداً، يميّز بين النضال الحقيقي والزيف، ويطالب بالعدالة، ليس شعاراً، بل ممارسة، وبأفعال تؤسس لدولة تحمي حقوق الجميع، بعيداً عن استغلال المعاناة لأهداف شخصية ضيقة.




