رأي

“مليونية الفوتوشوب: حين تتحدث حكومة بورتسودان باسم شعب”

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

في تدوينته الأخيرة، حاول وزير الثقافة والإعلام والسياحة في حكومة بورتسودان، خالد الإعيسر، أن يقدّم مشهداً سياسياً مكتملاً: شعبٌ موحّد، جيشٌ مدعوم بلا تحفظ، حكومةٌ “تمثل تطلعات الشعب”، ومجتمع دولي تلقّى الرسالة وفهمها. غير أن المشكلة الأساسية في هذا المشهد ليست في لغته المنمّقة، بل في كونه أقرب إلى بيان علاقات عامة منه إلى توصيف واقعي لما يجري على الأرض السودانية.

الوزير يتحدث بثقة عن “الشعب السوداني كله”، وهي عبارة فضفاضة درجت الأنظمة الشمولية على استخدامها كلما ضاقت بها شرعية الواقع. فالشعب السوداني، الذي خرج بالملايين في ديسمبر، وملأ الشوارع مطالباً بالحرية والسلام والعدالة، ليس كتلة صماء يمكن اختزالها في تظاهرة محدودة، أُخرجت على عجل، ورُفعت صورها من زوايا ضيقة لتبدو أكبر مما هي عليه. ذلك الشعب نفسه خبر جيداً كيف تُصنع “المليونيات” في إعلام السلطة، وكيف تُستخدم الجموع – إن وُجدت – لتبرير قرارات مسبقة لا علاقة لها بإرادته.

حديث الإعيسر عن أن التظاهرات “رسالة مباشرة للمجتمع الدولي” يفتح سؤالاً جوهرياً: أي مجتمع دولي هذا الذي يُقنعه مشهد هزيل، في وقتٍ تمتلئ فيه تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بشهادات عن حرب مدمرة، وانتهاكات جسيمة، وملايين النازحين؟ وهل يظن الوزير أن صورة مرفوعة بعناية يمكنها أن تطمس واقع مدن محاصرة، وأقاليم منكوبة، ودولة تُدار من مدينة ساحلية معزولة عن غالب جغرافيتها وسكانها؟

أما قوله إن الحكومة الحالية “تمثل تطلعات الشعب وتستجيب لنداءاته”، فهو ادعاء يصطدم مباشرة بحقائق بسيطة: هذه الحكومة لم تأتِ عبر تفويض شعبي، ولا عبر عملية سياسية شفافة، بل هي نتاج فراغ قسري صنعته الحرب والانقلاب معاً. حكومة بلا برلمان، بلا برنامج مُجاز شعبياً، وبلا قدرة فعلية على بسط سلطتها أو حماية مواطنيها، كيف لها أن تتحدث باسم تطلعات شعب بأكمله؟

الأكثر دلالة في خطاب الوزير هو هجومه على من وصفهم بـ”الذين يدّعون تمثيل الشعب السوداني خارج البلاد”. هنا يعود منطق الإقصاء القديم، منطق الحركة الإسلامية الذي لا يعترف إلا بصوت واحد: صوته هو. كل من يختلف، كل من يعارض، كل من يحاول مخاطبة العالم باسم الضحايا والنازحين، يُصنَّف تلقائياً كـ”لا وجود له” أو “بلا وزن”. وكأن الوجود السياسي يُقاس بعدد اللافتات في تظاهرة مُعدّة سلفاً، لا بعمق القضايا التي تُطرح ولا بصدق تمثيل معاناة الناس.

محاولة الإخوان المسلمين الظهور خلف مشهد هذه التظاهرة ليست جديدة. هي محاولة يائسة لإعادة تدوير أنفسهم كقوة “وطنية” داعمة للجيش، بعد أن لفظهم الشارع وأسقطهم بثورة واضحة لا لبس فيها. رفع صورة كبيرة لتجمع صغير لا يصنع شرعية، كما أن ترديد شعارات قديمة لا يمحو ذاكرة شعب يعرف تماماً من قاده إلى هذا الخراب الاقتصادي والسياسي، ومن مهّد الطريق لهذه الحرب أصلاً.

السخرية هنا أن من يتحدثون عن “طي صفحة الماضي الأسود” هم أنفسهم أكثر من تشبث بذلك الماضي، وأكثر من حاول العودة إليه عبر بوابة الحرب. أما “سرقة صوت السودانيين” التي يتهمون بها غيرهم، فهي تهمة يعرفها الشعب جيداً، لأنه عاشها ثلاثين عاماً تحت حكم الحركة الإسلامية، حين كان الصوت الواحد مفروضاً، والشارع مصادَراً، والدولة مختطفة.

ما يحتاجه السودان اليوم ليس تظاهرات مصنوعة، ولا بيانات إنشائية، ولا وزراء يتحدثون باسم شعب لم يفوضهم. ما يحتاجه هو اعتراف صريح بأزمة الشرعية، وقطع نهائي مع الإسلام السياسي بكل واجهاته، ومسار مدني حقيقي يضع حداً للحرب ويعيد للشعب حقه في أن يتحدث عن نفسه، لا أن يُتحدث باسمه. دون ذلك، ستظل حكومة بورتسودان، مهما رفعت من صور ومهما أرسلت من “رسائل”، حكومة تبحث عن شرعية في الفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!