
إيمان التجاني
تتعمّق المأساة الوطنية كلما طال أمد الصراع واتسعت رقعته، حتى غدا المشهد العام مرآة لانهيار المنظومات السياسية والاجتماعية والإنسانية على حد سواء. ففي ظل استمرار الحرب، باتت البلاد تواجه اختبارًا حادًا يكشف الأطراف التي تتهرب من مسؤولية وقف القتال، كما يفضح إخفاقات متراكمة ضاعت خلالها فرص ثمينة للحوار، وأُهدرت إمكانات بناء مسار سياسي كان يمكن أن ينقذ ملايين الأرواح من الدمار والتشريد.
لقد أصبح الوضع الإنساني اليوم أحد أكثر المشاهد إيلامًا، حيث تتصاعد أعداد الضحايا المدنيين بفعل القصف والانتهاكات، وتتعمق معاناة الملايين ممن فرّوا من بيوتهم نحو مناطق نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة. وتفرض هذه الحقائق المروّعة ضرورة وقف الحرب فورًا، وفتح الممرات الإنسانية، والسماح بتدفق المساعدات دون عوائق، باعتبار ذلك واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا سياسيًا أو قانونيًا.
في موازاة ذلك، باتت القوى المدنية أمام امتحان دقيق لمدى قدرتها على تقديم مبادرات جدية تعيد للدولة توازنها وتفتح مسارًا جديدًا نحو مستقبل ديمقراطي. فالمشهد السياسي لم يعد يحتمل المناورات ولا التحركات الموسمية، بل بات يتطلب رؤية شجاعة تُبنى على قراءة دقيقة للواقع، وعلى استعداد صادق للانخراط في تسويات واسعة تُعيد الاعتبار لمطالب الشعب وتؤسس لعقد اجتماعي جديد.
غير أنّ التحدي الأكبر لا يأتي فقط من قصور القوى المدنية أو تعقيدات الوساطات الخارجية، بل ينبع أساسًا من بنية داخلية شديدة التشابك؛ إذ تشكّلت خلال السنوات الأخيرة منظومة من الفصائل المسلحة التي يحمل كل منها مصالحه الخاصة، لتتحول ساحة الحرب إلى شبكة معقدة من التحالفات المتبدّلة. ومع تنامي هذه الظاهرة، تجاوز الصراع حدوده السياسية التقليدية، ليصبح صراعًا على الموارد والنفوذ، تُحرّكه حسابات قبلية واقتصادية وشخصية، وتغذّيه قوى تتطلع إلى مكاسب آنية ولو على حساب وحدة الوطن.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استغل تيار أيديولوجي نافذ حالة الفوضى لإعادة إنتاج مشروعه القديم، محاولًا العودة إلى واجهة السلطة بوسائل جديدة، يغلفها خطاب المواجهة ويبررها بتحالفات خارجية. هذه العودة لا تشكل مجرد تغيير في الوجوه، بل تحمل معها خطر إعادة البلاد إلى دائرة الانغلاق والصراع مع المجتمع الدولي، وإلى تكرار التجارب التي أنتجت الاستبداد والاضطراب في العقود الماضية.
أمام هذا المشهد المأزوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد تعريف معاني الدولة والسلطة والمسؤولية. وتستدعي هذه المراجعة فتح المجال أمام كل التيارات للمشاركة في بناء المستقبل، لكن وفق شروط واضحة تقوم على الاعتراف بالمسؤوليات التاريخية عن الانهيار، والالتزام ببرنامج إصلاح عميق يؤسس لدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فالوطن لا يمكن إنقاذه عبر الإقصاء أو الانتقام، بل بالإجماع الواسع على ضرورة إنهاء الحرب، وكسر دائرة العنف، وبناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع ونزع فتائل الفتنة قبل اشتعالها من جديد.
إن استمرار الوضع الراهن يعني مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من الارتهان للخارج، وتدهورًا أكبر في الاقتصاد والنسيج الاجتماعي. أما الطريق البديل، فهو طريق المراجعات الكبرى، وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات الوطن، والانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة. فهذا هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يضع البلاد على عتبة سلام حقيقي، ويعيد لها شيئًا من استقرارها المفقود.




