رأي

برلين… بداية الطريق أم تكرار المسار؟؟؟؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

 

ليست كل الضوضاء حركة… وليست كل الحركة تغييرًا.

ليس من السهل الحكم على مؤتمر برلين بمعيارٍ واحد. فبين من يراه لحظة اختراق، ومن يصفه بتكرارٍ محسّن لذات المقاربات القديمة، تتشكل صورة مركّبة لمشهدٍ لا يحتمل التبسيط. فالسودان، وهو يدخل عامه الرابع تحت وطأة الحرب، لم يعد يبحث عن عناوين كبيرة بقدر ما يحتاج إلى نتائج صغيرة لكنها حاسمة.

برلين، في ظاهره، كان حدثًا مكتمل الأركان: حضور دولي واسع، تعهدات مالية معتبرة، وخطاب مدني أكثر تماسكًا من ذي قبل. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، بدا أن القوى المدنية تقترب من صياغة أرضية مشتركة، لا تقوم على إدارة الخلاف، بل على تقليصه. هذه في حد ذاتها خطوة مهمة، لأن الانقسام المدني كان، ولا يزال، أحد العوامل التي منحت الحرب عمرًا أطول مما ينبغي.

غير أن السؤال الحقيقي لا يكمن في ما قيل داخل القاعات، بل في ما يمكن أن يحدث خارجها. فالتجربة السودانية، خلال السنوات الماضية، علمت الجميع درسًا قاسيًا: الوثائق لا تُنهي الحروب، والبيانات لا تُعيد بناء الدول. ما ينهي الحروب هو التقاء الإرادة السياسية مع القدرة على الفعل، وهو ما لم يتبلور بعد بشكل كافٍ.

من هذه الزاوية، تبدو وثيقة برلين – رغم أهميتها – أقرب إلى إعلان نوايا متقدم، لا إلى خارطة طريق مكتملة. فهي تعالج القضايا الكبرى: وقف الحرب، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، وإطلاق عملية سياسية شاملة. لكن هذه العناوين، على وجاهتها، ليست جديدة. الجديد كان يُفترض أن يكون في كيفية التنفيذ، وفي القدرة على تحويل هذه المبادئ إلى آليات قابلة للتطبيق.

وهنا تحديدًا، تتقدم القراءة النقدية بخطوة. فعدد من المفكرين والمهتمين بالشأن السوداني يرون أن برلين لم يخرج كثيرًا عن نمط مؤتمري باريس ولندن، حيث تُعاد صياغة ذات اللغة، وتُطرح ذات الأولويات، دون أن يتغير الواقع بنفس الوتيرة. الإشكال، بحسب هذه القراءة، ليس في نقص الإرادة الدولية المعلنة، بل في غياب التقييم الجاد لما تحقق، أو بالأحرى لما لم يتحقق.

الأزمة السودانية، في جوهرها، ليست أزمة بيانات، بل أزمة بنيوية عميقة. هناك خلافات حقيقية حول طبيعة الحرب، وأطرافها، ومآلاتها. خلافات حول دور الجيش، وموقع الدعم السريع، وحضور الإسلاميين، وحدود التدخل الخارجي. هذه ليست تفاصيل يمكن تجاوزها بصياغات توافقية، بل عقدٌ مركزية لا بد من تفكيكها.

القفز فوق هذه القضايا قد يمنح المؤتمرات مظهر النجاح، لكنه لا يخلق سلامًا مستدامًا. بل إن التجربة تشير إلى أن أي اتفاق لا يواجه هذه الأسئلة مباشرة، يعود لينهار عند أول اختبار. ولذلك، فإن الرهان على إنتاج “وثيقة جامعة” دون معالجة جذور الخلاف، يبدو أقرب إلى إدارة الصورة منه إلى معالجة الواقع.

على الجانب الإنساني، الصورة ليست أكثر بساطة. صحيح أن التعهدات المالية التي خرج بها مؤتمر برلين تعكس اهتمامًا دوليًا متزايدًا، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا قديمًا: هل المشكلة في نقص الموارد أم في ضعف إيصالها؟ الواقع يقول إن الفجوة بين التعهدات والتنفيذ لا تزال قائمة، وأن معاناة المدنيين لا تتراجع بالسرعة التي تتراكم بها الوعود.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن لبرلين قيمة لا يُستهان بها. فهو أعاد السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي، وفتح نافذة جديدة للتنسيق بين القوى المدنية، وقدم رسالة مفادها أن الحرب لم تعد خيارًا مقبولًا، لا داخليًا ولا خارجيًا. هذه رسائل مهمة، لكنها تظل في إطار التمهيد، لا الحسم.

في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل نجح مؤتمر برلين أم فشل؟ بل: ماذا بعد برلين؟ فالمؤتمرات، مهما بلغ تأثيرها، لا تستطيع أن تحل محل الإرادة الوطنية. السلام في السودان لن يُصنع في العواصم الأوروبية، بل في قدرة السودانيين على مواجهة خلافاتهم بصدق، وبناء مشروع سياسي يتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.

برلين قد يكون بداية… لكنه لن يكون نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!