رأي

«حين ينطق العقل المبدع… المفكر د. الوليد مادبو ورحلة إعادة اكتشاف السودان»

ابو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتتشابك التحليلات وتزدحم الساحة السودانية بالضجيج، يطلّ عليك أحيانًا صوت نادر يعيد ترتيب الفوضى، ويقدّم مفتاحًا مختلفًا لفهم الواقع. هذا ما حدث بالضبط حين تابعت حلقة البودكاست الشهير السودان 360 التي استضاف فيها الصحفي النابه منعم سليمان، المفكر وخبير الحوكمة والتخطيط التنموي الدكتور الوليد مادبو.

كان اللقاء أكثر من حوار؛ كان حدثًا فكريًا مكتملاً، يقدّم فيه العقل السوداني أحد أجمل تجلياته في زمن العتمة.

يقال: «الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان.»

وقد خرج حديث المفكر د. الوليد من عمق التجربة والوعي، لا من وريقات تنظيرية. فقد بدا الرجل وهو يتنقل بين الأفكار وكأنه يمسك بخيوط المشهد السوداني كلها، يجمعها بين يديه، ويعيد حياكتها بما يليق بدولة تبحث عن ذاتها منذ أكثر من قرن.

كان حوارًا يجمع بين الرصانة والجرأة، بين الفكرة وامتدادها، بين التحليل وأدواته العلمية الدقيقة. ولعلّ ما يجذب المستمع إلى مادبو، أنه لا يكرر خطابًا جاهزًا، ولا يشتغل داخل قوالب التحليل المستهلكة، بل ينطلق من جهاز مفاهيمي متكامل، قادر على الغوص في جذور الأزمة لا في سطحها.

لقد قدّم المفكر د. الوليد مادبو قراءة مغايرة لطبيعة الدولة السودانية، داعيًا إلى إعادة تعريفها على أسس جديدة وعادلة. فهو يرى أن الأزمة ليست مجرد اختلافات سياسية أو صراعات سلطة، بل هي أزمة بنيوية ارتبطت بالطريقة التي تشكلت بها الدولة بعد الاستعمار، وبالخلل المتراكم في مؤسساتها، وبالمنظومات التي حالت دون بناء دولة المواطنة الحقيقية.

وهنا يتجلى عمق الرجل؛ فهو لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سردًا، بل كحقل لفهم المسارات والانحرافات. ولا يتعامل مع السياسة بوصفها منافسة، بل بوصفها هندسة إدارة وتوازن وتخطيط.

ويقول الحكماء: «من لا يفهم الماضي، سيعيد المستقبل معاقبته.»

وقد كان هذا الإحساس حاضرًا بقوة في حديث المفكر د. الوليد، وهو يشخّص الاختلالات التاريخية التي لازمـت بنية الحكم، ويقترح إعادة صياغة العقد الاجتماعي من جديد، لكن ليس بالطريقة الشعاراتية، بل بمنهج علمي يتأسس على الحوكمة الرشيدة، والعدالة المؤسساتية، وإصلاح آليات السلطة، وإعادة توزيع القوة داخل الدولة بما يتناسب مع تنوع المجتمع السوداني.

لقد كان اللقاء بمثابة ورشة معرفية مكثفة، رسم فيها المفكر د. الوليد خارطة واضحة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، متجاوزًا المنهج التحليلي التقليدي الذي عادة ما يعجز عن تفسير أزمات السودان المركّبة. وقدّم في أثناء الحوار رؤية متماسكة تقوم على الربط بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع، مما يجعل المتلقي يشعر أنه أمام عقل استثنائي، لا أمام خبير عابر.

ما يميز الرجل أنه يجمع بين العمق النظري والخبرة العملية الميدانية. فحديثه لا يشبه خطابات النخب التي تتعالى على الواقع، ولا يستند إلى مفردات معزولة عن الناس. بل يتحدث بلغة واضحة، تستوعب تعقيد الفكرة دون أن تتعالى على الجمهور. إنها القدرة النادرة على الجمع بين الأكاديمي والشعبي، بين الفلسفي واليومي، بين الفكرة المجردة والواقع المعيش.

وقد قال أحد الفلاسفة: «ليس على المفكر أن يقدّم الإجابات، بل عليه أن يطرح الأسئلة الصحيحة.»

وهذا ما فعله المفكر د. الوليد؛ إذ ألقى الضوء على الأسئلة التي تهرب منها النخب عادة: كيف تُبنى الدولة؟ كيف تُوزع السلطة؟ من يملك القرار؟ وما معنى العدالة حين تصبح الدولة نفسها مصدرًا للظلم؟

هذه الأسئلة التي تحرك الوعي، وتحدث الانقلاب المفاهيمي الذي يحتاجه السودان للخروج من أزمته الطويلة.

إن حلقة السودان 360 لم تكن مجرد لقاء، بل كانت لحظة نادرة يلتقي فيها عمق الفكر بصدق القصد وجلال المسؤولية الوطنية. وقد أثبت المفكر د. الوليد مادبو أنه أحد أهم العقول القادرة على إعادة تشكيل فهمنا للدولة، وعلى تقديم وصفة فكرية تنقذ مسارًا كاملاً من الانهيار.

إن البلاد تحتاج إلى هذا النمط من العقول التي تضع الوطن في صدارة التفكير، وتعيد فتح النوافذ المغلقة، وتذكرنا بأن الأفكار العظيمة ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء.

وإذا كان السودان يمر بأكثر لحظاته قلقًا، فإن مثل هذا الحوار يمنحنا يقينًا بأن الطريق إلى إعادة بناء الدولة يبدأ من هنا… من الفكر قبل السياسة، ومن المعرفة قبل القوة، ومن الوعي قبل الفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!