
إيمان التجاني
لم تكن المرأة السودانية يومًا على هامش الحياة، ولكن الدولة التي ورثت منظومة الاستعمار جعلت الهامش قدرها. فالمرأة في الأرياف والمناطق البعيدة عن المركز تحمل على كتفيها أعباء الحياة والنجاة في آن واحد، في بيئة تُحاصرها الفاقة والعادات، وتُقصيها البُنى السياسية والاقتصادية التي احتكرها الرجال لعقود طويلة.
إن عبارة “المرأة السودانية في الهوامش” لا تُشير إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى موقعها الاجتماعي والسياسي في منظومة غير عادلة. فهؤلاء النساء يعانين من التهميش المزدوج: تهميش المكان وتهميش النوع. وبينما ينشغل المركز بصراعات السلطة، تواصل النساء في الريف والنازحات في معسكرات الحرب مواجهة العنف الأسري، والزواج المبكر، والحرمان من التعليم والعمل، في ظل غياب أبسط مقومات الحماية القانونية والاجتماعية.
ومع ذلك، فإن المرأة السودانية لم تكن ضحية صامتة. لقد تحولت المعاناة إلى وعي، والظلم إلى دافع للمقاومة. نرى ذلك في مبادرات نساء رائدات مثل عوضية كوكو اللواتي قدن مبادرات خيرية ومجتمعية لدعم المتضررين من الحرب، وفي إرث الاتحاد النسائي السوداني الذي تأسس منذ عام 1952 دفاعًا عن حق المرأة في المشاركة السياسية والاجتماعية.
غير أن الطريق ما زال طويلًا. فالمرأة في السودان، رغم امتلاكها حق التصويت والترشح والعمل، ما تزال تُواجه تمييزًا صامتًا في الأجر والفرص، وكأن مساهمتها في الإنتاج أقل قيمة. وهذا ظلم لا يُبرره تقليد ولا تُقرّه شريعة ولا عقل.
لقد وُلدت المرأة حرة، ولكنها أُخضعت لثقافة ذكورية جعلت منها نصف إنسان في الحقوق، بينما هي في الحقيقة كاملة الإنسانية والعطاء. والمجتمع الذي لا يُنصف نساءه إنما يُقصي نصف قوته ووعيه.
إننا اليوم أمام مسؤولية أخلاقية وفكرية لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والدولة والمجتمع. فتمكين النساء ليس منّة ولا شعارًا سياسياً، بل شرط أساسي لأي نهضة حقيقية. لا يمكن بناء وطن عادل بعقلية تميّز بين من يبني الحقل ومن يبني المدينة، بين من تلد الأجيال ومن يصوغ السياسات.
إن المرأة السودانية — في الريف كما في المدن — ليست كائناً تابعاً، بل هي شريكة في الوجود والمستقبل. وإنصافها ليس واجب العدالة فقط، بل واجب الحياة ذاتها.




