
دكتور احمد الضي
خبير اقتصادي، وضريبي ومالي، خبير تنمية بشرية، واخصائي ادارة المخاطر
تعتبر نظرية الضرائب احد اهم الأدوات الاقتصادية الفعالة التي توجه الاقتصاد وفقا للحلقة الرائدة في التنمية الاقتصادية الدفع باتجاه عجلة الاقتصاد (القطاع الزراعيوالحيواني) ، حيث يزخر السودان بموارد اقتصادية هائلة ومتنوعة ومتعدد الاعراق والثقافات واللهجات المحلية وكبر المساحة الواسعة والشاسعة الصالحة للزراعة.
إذ اثبتت التجارب الإنسانية ان الموارد الضريبية هي أهم المواعين الايرادية والأكثر ثباتا من مورد النفط الذي ينضب ويجف في اباره وهو عرضة لتقلبات الأسعار العالمية خاصة في ظل ظهور بدائل الطاقة النظيفة والمتجدة .
قد اوصي صندوق النقد ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تبني الاصلاح الضريبي وتبني نظام التقدير الذاتي ونظام الضربية النمطية كنظام ثنائي التراكيب لفرض الضريبة وتكامل الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي علي حد سواء منعا للتهرب والتجنب والازدواج الضريبي بهدف تعظيم الايرادات الضريبية ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تقل عن 15% .
ان فلسفة فرض الضريبة ترتكز علي نظرية العقد الاجتماعي الثلاثي التراكيب والتي تركز علي الحقوق والواجبات بين الدولة والمجتمع والسوق مقابل الخدمات العامة واحداث التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، فالضريبة هي الأداة التي توجه الاقتصاد بالكفاءة والفاعلية من خلال السياسات الضريبية وتحريك رؤس الأموال اي الاستثمار الاجنبي المباشر الي حيث الحلقة الاقتصادية الرائدة في التنمية الاقتصادية للقطاع الزراعي والحيواني وصناعته التحويلية.
علاقة الضرائب بالحروب الصراعات الاهلية:
لا شك ان مفهوم الضرائب يعرف الضرائب بأنها مبلغ من المال يدفع جبرا او قسرا للدولة وبصوره نهائية مقابل الخدمات العامة ، فكلمة جبرا او قسرا تعني سيادة الدولة وهيبتها ، صورة نهائية تعني دون مقابل
اما مقابل الخدمات العامة تعني توفير الامن والتعليم والصحة والبني التحتية وترتكز فلسفة الضرائب علي عبارة : الضريبة مقابل الخدمات العامة طبقا لورشة الانذار المبكر لدول الايقاد : علاقة الضرائب الصراعات الاهلية، يونيو 2018—- 2019 إثيوبيا، يوغندا السودان كنموذج ، ويوغندا ، وفرنسا اصحاب السترات الصفراء
No taxation without representation
كما وصفها عالم الاقتصاد ادم اسميث في كتابة ثروة الامم وحدد خصائص للنظام الضريبي الذي يقوم علي المحددات والملامح الاقتصادية لكل دولة ، وفقا لنوع الاقتصاد المتبع حتي يحقق النظام الضريبي أهدافه المالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية والثقافية والبيئة ، فغياب المقابل الموضوعي للضريبة خلق نوع من عدم الرضا للمجتمع والاحساس بالظلم لحكومات النخب المركزية المتعاقبة علي حكم السودان منذ فجر الاستقلال وحتي يومنا هذا ولاسيما الفرض المستمر للضرائب حتي سميت بدولة الجبايات
فغياب الرؤية للتنمية الاقتصادية المتوازنة والمستدامة بالاضافة الي الهشاشة الامنية والنقص الحاد في تقديم الخدمات العامة ومشاريع التنمية الاقتصادية وشح الامطار وغياب مشاريع حصاد المياه شح المياه
الفقر المدقع والجهل والمرض وموجات الجفاف دفع الشعب السوداني الي الاحتكاك والصراع حول الموارد في مقدمتها المياه التي هي تمثل حياة الناس للشرب والاستثمار الزراعي والحيواني والصناعي ،فنشب صراع الاراضي او الحواكير و سيما صراع الموارد ولذلك عجزت حكومات النخب المركزية المتعاقبة علي حكم السودان منذ فجر الاستقلال وحتي يومنا هذا في القيام بوظائفها تجاه رعاياها وتقديم الخدمات العامة في مقدمتها حفظ الامن والاستقرار السياسي ولاسيما توفر مياه الشرب والاستثمار حتي العاصمة الخرطوم تعاني ويلات العطش وهي ترقد علي نهرين عظيمتين ناهيك عن اقاليم السودان الاخري ، فالغرب جله والشرق حتي الجنوب يعاني من شح مصادر المياه رغم كثرة الامطار ، وبلادنا تعاني من السيول والفيضانات شمالا وجنوبا وشرقا .
بالرجوع الي موازنة الدولة السودانية 80% منها تذهب للحروب الداخلية الطاحنة(الامن والدفاع) زهاء الستون عاما الماضية بدء بحرب الجنوب وانفصاله ومرورا بحرب دارفور وكردفان والنيل الازرق وانتهاء بحرب الخرطوم ابريل 2023 فهذا يجيب علي السؤال الجوهري اين ذهبت اموال ووثروات الشعب السوداني المغلوب علي امره من الذهب، والبترول ،والصمغ العربي، والقطن، والحبوب الزيتية، الثروة الحيوانية ؟؟؟؟
فيصرفون علي بند التنمية ولا تنمية الا علي الورق والاتصالات المالية ، فعندما خرج المستعمر ترك خلفه بني تحتية من طرق وكباري ومواصلات سكك الحديد ومشاريع اقتصادية مثل مشروع الجزيرة وساق النعام والاعاشة ولاسيما السكك الحديدية والنهرية والجوية وجامعات ومعاهد وخدمة مدنية وعسكرية علي مستوي القارة الأفريقية استفاد منها المستعمر الاجنبي وابناء البلد ولكن بعد حرب الخرطوم ابريل 2023م لم يبق شئ إلا صوت الرصاص والمدفعية الثقيلة وقصف الطيران ، الدمار الشامل للبنية التحتية والسيولة الامنية والقتل والنهب والسلب والنزوح واللجوء والاغتصاب وخطاب الكراهية هو سيد الموقف فوصفت بأسوأ حروب العالم .
عذي كثير من الكتاب السودانين مشكلة الحروب الداخلية الطاحنة الي اسباب كثيرة ومتجذرة منهم الكاتب د. منصور خالد النخب المركزية وادمان الفشل، كما ركز البروف علي عبدالرحمن رباح في كتابة الدولة التوافقية عدم ادارة التنوع السكاني بصورة ايجابية وصهرة في بوتقة الانصهار سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا وامنيا حتي تكون الدولة علي مسافة واحدة من الجميع من خلال تبني النظام الفيدرالي كاساس للحكم والحقوق والمواطنة وفقا لنسبة السكان ، كما تناول الدكتور محمود الممداني في كتابة دارفور:منقذون وناجون
السياسة علي الارهاب وعذي ذلك الي تقسيم الأراضي من قبل المستعمر بالاضافة الي عقود الجفاف التي ضربت السودان وختمها
الدكتور الوليد مادبو بأنها انهيار للمنظومة السياسية والعسكرية التي تامرت علي حكم السودان : نخب المركز والهامش علي حد سواء فكانت دارفور المستوطنة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير وفاقمت ازمة السودان وانتهت بحرب الخرطوم لأول مرة في تاريخ السودان.
اخيرا رغم كثرة وتعدد الكتابات في تشخيص مشكلة السودان إلا أن غياب الرؤية الاستراتيجية للدولة و سيما فرضية الصراع حول السلطة والثروة نتيجة للمظالم التاريخية منذ فجر الاستقلال وحتي يومنا هذا هو سيد الادلة بخلاف ذلك كذب وافتراء مهما اختلفت المبررات والروايات.
نؤمن إيمانا قاطعا ان حلول الحروب تكمن في التفاوض والحوار الجاد لنزع فتيل الازمة وان تظل الضريبة هي اداة فعالة لتوجيه الاقتصاد في التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة واقامة مشاريع حصاد المياه وحفظ الامن والبنية التحتية هو الاتجاه الصحيح لمخاطبة جذور المشكلة السودانية التي تنهي الحروب الداخلية الطاحنة والعبثية بصفة نهائية مع تبني النظام الفيدرالي كاساس للحكم والحقوق والمواطنة مقترنا بالعلمانية كاساس للحريات وتعميم الحلول الناجعة لكافة اقاليم السودان حتي يعم الامن والرخاء ارجاء بلادنا الحبيبة من خلال رؤية استراتيجية طموحة تلبي اشواق وتطلعات الشعب السوداني وتهدف الي ارساء نظام ديمقراطي سلس يؤطر لدولة المؤسسات والقانون والعدالة حتي تكون الدولة علي مسافةواحدة من الجميع.
19 نوفمبر 2025م.
هل من ضوء في آخر النفق؟؟؟




