
حسام أبوالفتح
((التقيت الترابي مرة واحدة في حياتي وذلك في أيام مثل هذه في منزله بالمنشية في العام ٢٠١٥ – قبل وفاته بأشهر قليلة – حينها؛ كنتُ كما كان جُلُّ من دُعيَّ لمنزله ذلك المساء إسلاميين سابقين، حينها كانت هنالك محاولات للحديث معنا على أساس أنه ربما يمكن إعادتنا للحركة وكدا، لكن فشلت المساعي.
يومها، حاول الترابي الاستعلاء علينا معرفياً، لكنه اكتشف ليلتها أن ذلك الجيل كان قد تجاوز أصوليته، وأنه لم يعد ينظر للعالم بذات المنظور الذي كان يرى هُوَ به العالم، قرر حينها أن يحكي عن تجربته، ثم شتم علي عثمان وغازي صلاح الدين، وحين اصبح النقاش يحتد قليلاً، دعانا للطعام، ثم عدنا أُخرى، لم نقل شيئاً، ولم يقل هُوَ نفسه في تلك الليلة شيئاً.
حين خرجنا صافحني ضمن الناس – كانت في صورة لكن ضاعت حسي كانت نفعتني في الريتش – سخر من إسم عائلتي الأخير “أبوالفتح”، ثم خرجنا ولم نلتق أخرى .. لم اذهب لجنازته؛ لكني تمنيت ألا يموت حتى يرى بأم عينيه أن الجيل الذي تربى على عين المشروع الحضاري هُوَ ذاتهُ الذي رفض الإنقاذ ومشروعها ليدوس على آخر ما تبقى من أثر الترابي الباقي ويسقط المشروع للأبد.
تذكرت هذا بعد مرور كل تلك السنين، لأقول لمن لم يتضح لهُ بعد أنّ ما تبقى من المشروع الذي بشّر به الإسلاميون/ات لا يتعدى أطلالًا فكرية وصوراً باهتة لشيخهم الراحل، أن منسآة الإسلام السياسي قد تآكلت ونخرتها الأرضة، وأن وهم القوة الذي كان يستند إلى خطاب الأصولية والتعبئة العاطفية قد سقط، واليوم، لا يملك الإسلاميون/ات سوى إعادة إنتاج ذات الشعارات الميتة، محاولين إحياء منظومة لفظها الواقع، في وقتٍ تجاوز فيه المجتمع محاولاتهم لإخضاعه وإعادته إلى ماضٍ لا يمكن أن يعود.
إنّ الأزمة الحقيقية للإسلاميين اليوم ليست في عجزهم عن أن يكونوا مؤهلين للحكم فحسب، بل في انقطاع سندهم الفكري والأخلاقي، إن الجيل الذي نشأ في حضن “المشروع الحضاري” تمرّد عليه، لا لأنه صار أكثر عداءً للدين، بل لأنه أدرك أن هذا المشروع لم يكن سوى أداة للسلطة والقمع وإدامة الاستبداد واليوم، حين يحاول الإسلاميون ترديد ذات لغة 1989، فإنهم يواجهون واقعاً لا يمكن تغيير حقيقته، وشعباً ربما تكون قد أرهقته الحرب لكنه لم يعد يقبل أن يُحكم بالعصا ولا أن يُساق بعضه باسم الله نحو المقصلة.
إنّ الحقيقة التي لا يريد الإسلاميون الاعتراف بها – هي ذاتها التي عجز الترابي آخر أيامه عن الاعتراف بها – أنّ التاريخ قد تحرك إلى الأمام، وأنّ السلاح الذي يتكئون عليه اليوم لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لقد انتهى زمن الإسلاميين وولى زمان الإسلام السياسي، وما بقي منهم/ن ليس سوى جوقة تردد صدى أفكار رحل أصحابها ورحلت أفكارهم معهم، أفكارٍ لم يعد لها صاحب، لقد انكشفت الأزمة الكامنة في قلب الإسلام السياسي: جفاف الفكرة، وانهيارها الأخلاقي أمام شعبٍ دفع الثمن كاملاً على مدى السنين التي تلت انقلاب ١٩٨٩ ورأى بوضوح أن هذا المشروع لم يكن سوى آلة للاستبداد والخراب، واليوم، حين يعيدون ذات الشعارات القديمة عن أنهم الوحيدون الذين لا يطعنون الجيش في الخاصرة أو أن الأحزاب هي محض عملاء، فإنهم لا يرددون إلا ما هو في أصله صدى ماضٍ انتهى، ولا يقدرون على مواجهة أن الواقع يكتب فصلاً جديداً لا مكان فيه لهم إلا في فصول التاريخ التي تلعنهم فيها الذكريات ويلعن فيها ماضيهم مستقبلهم.
هذا الزمن لم يعد زمنكم، ولا سلاح قادرٌ على إنقاذكم، ولا يمكن للماضي أن يعود، أما السودان فيمضي – ببطء وربما بعناء – نحو واقع جديد، لكنّه واقع لن يُبنى بأحلامهم القديمة، بل بإرادة جيلٍ رأى كل شيء بعينيه وقرر أن يكسر الحلقة إلى الأبد، ليؤسس وطناً يسع الجميع)).




