
إسماعيل رحمة المحامي
بعد سقوط الدوله المهديه فى ١٨٩٩م وهى أول دوله سودانيه وطنيه مستقله ذات سياده ونظام حكم فيدرالى منح الناس فرصة أن يحكموا نفسهم بأنفسهم فى تقسيمات إداريه تعرف بنظام (الرايات ) أي اللواء فكان لأهل الشمال والشرق والوسط والغرب هذه الرايات وهى حكومات مستقله مع وجود راية الدوله المركزيه وكانت حقبة الدوله المهديه فى السودان إمتدت من ١٨٨٦ الى ١٨٩٩م وبدخول الاحتلال الانجليزى (الإستعمار البريطاني ) الاراضى السودانيه بعد معركة كرري وأم دبيكرات فإن السيادة والوطنيه والدولة قد تلقت طعنه نجلاء فى خاصرة الولاء للوطن من مجموعة أشخاص فضلوا العماله لصالح المحتل والدخيل والغريب والذى جاء ليس لحكم البلاد ولكن إنتقاما والثأر لمقتل الضابط البريطاني العظيم إبن الأمبراطوريه التى لاتغيب عنها الشمس صاحبة الجلاله بريطانيا العظمى وإنتصاراتها فى الصين والهند وقد سبق مقتل غردون باشا مقتل ضباط أوروبيين مخلصين فى خدمة بريطانيا (هكس باشا النمساوي ) .
بعد أن بسط الانجليز سيطرتهم وإحكام إدارتهم على الأراضى السودانيه ومن خلال الإداره المدنيه والعسكريه للدوله ومحاولات الترغيب والترهيب لبعض المجموعات الإجتماعيه من مايعرف بالإداره العشائريه للقبائل ورجال الدين الصوفى بعد سقوط دولة المهديه تشكلت فى السودان ثلاثه طبقات إجتماعيه رئيسيه لعبت دورا بارزا فى الحياه السياسيه والعسكريه والاجتماعيه وهذه الطبقات هى طبقة الأفنديه وأولاد الأفنديه وهؤلاء عملاء المستعمر وموظفى مصر فى السودان (تربية الإنجليز ) وطبقة رجال الدين والطرق الصوفيه وهؤلاء شكلوا مايعرف بالطائفيه الدينيه كمدارس تقليديه سودانيه وطبقه ثالثه هى طبقة البندقجيه والظباطيه فى الخدمه العسكريه وهذه الطبقات حسب الوصف الوظيفي يمكن القول أن طبقة الافنديه هم يشكلون قطاع التعليم والخدمة المدنيه وطبقة البندقجيه والظباطيه يمثلون قطاع العسكريه وأما طبقة رجال الدين يمثلون قطاع الطائفيه مع ملاحظة أن كل طبقه من هذه الطبقات نشأت فى بيئة تختلف تماما عن الأخرى رغم أن الوطن واحد .
نشأت طبقة الأفنديه وأولاد الأفنديه فى كنف مجالس الإنجليز والمصريين وباقى الأوروبيين والشوام من بلاد الشام واليهود الإرمن وقليل من الهنود هذا الخليط فرض عليهم فروض الطاعه والسمع وتنفيذ أجندة المستعمر (خيانة السياده والوطنيه) لأنهم تربية الإنجليز وأجندة الإنجليز حيث دخلوا المدارس مبكرا وأن آباءهم كانوا فى خدمة الانجليز فأصبحوا من أهل الحظوة والامتيازات التاريخيه فى التعليم والخدمه المدنيه والعسكريه (الواسطه والمحسوبيه) ومايؤكد ذلك هو إفتتاح مدرسة غردون التذكاريه فى ١٩٠٢ كرمز للعدالة الإنتقاليه لذكرى تخليد غردون باشا وكذلك فتح المدرسه الحربيه فى ١٩٠٧ فى سلاح الإشارة الحالى فى بحرى كنواة للكليه الحربيه التى أنشأة فى وادى سيدنا ١٩٢٢ هنا تتلمذ أولاد الأفنديه وهذه أول مكافأه إكارميه قدمتها بريطانيا للذين أخلصوا الولاء من المواطنيين السودانيين الذين ساهموا فى نجاح الحمله البريطانيه ضد الدوله المهديه (العماله والإرتزاق ) كما تم لاحقا إبتعاث أولاد الأفنديه للدراسه فى بيروت اللبنانيه والقاهره المصريه والبعض منهم الى بريطانيا هذا المخطط التربوي الانجليزي قد تكاملت أدواره عندما إجتمع أولاد الأفنديه من خريجي المدارس الأوليه (سنه رابعه كتاب)فى السودان وخريجى المدارس والمعاهد من بيروت ومصر وبريطانيا حول فكرة تكوين مايعرف (مؤتمر الخريجين)
أما طبقة العسكرين من أولاد الأفنديه قد تشكلت بدعم من آباءهم البندقجيه فى خدمة الانجليز والمصريين والذين كان قدح السبق فى مايعرف لأول مره فى السودان(الواسطه والمحسبويه وتوصية شخص ) حيث كان الرئيس السابق إبراهيم عبود والده فى خدمة الجيش المصرى ومن ثم إلتحق بالجيش البريطانى فوجد الإبن حظه فى جيش قوة دفاع السودان فتم إستيعابهم فى المدرسه الحربيه ولا حقا فى الكليه الحربيه وعلى هذا الأساس تشكلت الطبقه العسكريه من الآباء البندقجيه والأبناء الظباطيه ولكن الإنجليز طبقوا سياسة الترغيب والترهيب ضد وجهاء المجتمع ورجال الاداره الاهليه ومنحوا فرص تعليم لأبناء هؤلاء المجتمعات التى أعلنت الطاعه للانجليز مقابل بقاءهم حكام إداريين شعبيين فى مناطقهم وهذا أيضاء وجد الانجليز فيه فرصه لتقصير الظل الاداري ولبعد هذه المناطق ووعورة الوصول اليها فى بداية دخول الانجليز للسودان ولاتزال تلك المناطق (شرق السودان وغرب السودان ووسط السودان ) تعتبر حواضن اجتماعيه للدوله المهديه وبهذا نؤكد أن قليل من ابناء هذه الادارات الأهليه هم فقط الذين إلتحقوا بالمدارس التعليميه الانجليزيه (نظام الداخليه آنذاك ) والبعض منهم وجد فرصته الى الكليه الحربيه .
أما طبقة رجال الدين والصوفيه والذين شكلوا مايعرف بالطائفيه فهولاء إكتفوا بإنشاء الطرق الصوفيه والخلاوي وتعاليم الدين والقرآن والحديث وممارسة الشعائر الدينيه (الحولايات واحتفالات المولد ) وهذه تقع تحت رقابة وعيون الحكم الانجليز والتصديق بشروط لممارسة هذه الأنشطه حتى لا تعود من خلالها الثورة المهديه وتم حظر قراءة رتب الإمام المهدي وعليه بمرور الوقت إستطاع الإنجليز من تقريب طبقة أولاد الأفنديه وطبقة البندقجيه والظباطيه الى مجالس الانجليز والاوروبيين والمصريين (مسحيين) مجالسهم الخاصه والعامه بحكم الوظيفه والحياه اليوميه فهذه الطبقه سرعان ماإندمجت فى الثقافه الغربيه المسيحيه وقد ساعدهم فى ذلك تربيتهم المبكرة فى المدارس ودراستهم فى سن المراهقه فى بيروت ومصر وبريطانيا وإلتحاقهم بالعسكريه منفذين للأوامر ومطيعين للتعلمجيه والقائد الانجليزي فكانت عقيدتهم (حماية النظام الحاكم وقتل المواطنين المعارضين لحكم الانجليز ) هذا خروج عن تعاليم الوطنيه والسياده والدين فى السودان وقد عاشوا وسط الانجليز حياة الأورستقراطيه والمجون والملاهي فى مدينة الخرطوم المدينه الملعونه مدينة الخطيئه حيث حانات الفجور والمراقص فى الأنديه الليليه يعاقرون الخمور ويحتسون النبيذ الأوروبي ويرتشفون القهوة المعتقه بدخان الغليوم (الكدوس الانجليزي ) ويتناولون لحوم المستوردة من الخارج (خنزير وغيرها ) فتمردوا على الثقافه السودانيه والعادات والتقاليد والموروثات الاجتماعيه الأصيله واصبحوا فى عزله وغياب عن واقع المجتمع السودانى حيث يقضون أوقاتهم فى الخدمه المدنيه والعسكريه طوال اليوم ويسهرون الليالى مع أولياء نعمتهم من الأوروبيين الغربيين والشوام والمصريين المسيحيين وبقايا اليهود فى السودان .
ولكن ماأن قامت حركة اللواء الأبيض (الضابط السودانى على عبداللطيف ) فى ١٩٢٤ وأعلنت تمردها بقيادة كتيبه(أورطه) عسكريه بالتضامن مع عدد (5 كتائب مصريه ) موجوده فى سلاح الاشارة بحري هنا ادرك الانجليز خطورة وجود المصريين فى السودان وتنفيذ مخطط أجندة (وحدة وادي النيل ) تسعى مصر الى حكم السودان بعد طرد الانجليز ولكن الادارة البريطانيه اتخذت قرار بطرد المصريين من السودان وبالتالى إنفردت بادارة الدولة وفى هذه النقطه بالتحديد هنالك كثير من السودانيين يجهلون التاريخ المسكوت عنه ويروجون الدعايه المصريه التى تقول (إتفاقية الحكم الثنائي) وأن مصر حكمت السودان وهذا أمر عجاب وعجيب أن يصدر من قيادات سودانيه وطنيه ولكن الحقيقه هي أن مصر وجودها فى السودان سواء خلال فترة الحكم التركى (محمد على باشا ) او الحكم الانجليز البريطاني كانوا المصريين مجرد بندقجيه مرتزقه فى خدمة الجيش التركي أو الجيش البريطانى وخلال فترة الحكم التركى كان القليل منهم رجال دين وتجار وخلال فترة الحكم البريطانى كانوا مسيحيين اقباط نشروا المسيحيه وفتحوا مدارس وسيطروا على مصلحة الري والبوليس والسجون مع العلم ان محمد على باشا كان حاكم مصر والسودان فلايمكن للمصرين ان يحكموا السودان وفترة الحكم البريطانى مصر تحت الاحتلال الفرنسي والبريطانى لم تكن دولة مستقله تنافس الاوروبيين (إستقلال مصر ١٩٥٢) .
فى الفترة مابين ١٩٣٨ الى ١٩٤٨م نشأت خلافات وتباينات بين الطبقات الثلاثه (طبقة أولاد الأفنديه والعسكريه البندقجيه ورجال الدين الطائفيه ) كان اللاعب الأساسي هو جهاز الإستخبارات والمخابرات البريطانيه (سياسة فرق تسد ) حيث بعد احداث ثورة ١٩٢٤ شعر الانجليز أنهم فى غفله عندما تركوا للسودانيين المواليين لهم الحبل على الغارب حيث الخريجيين سمحوا لهم بممارسة نشاطهم الثقافى والادبي والفن والمسرح لكن إنقسموا مابين دعاة الوحدة مع مصر(دولة وادي النيل) ودعاة السودان للسودانيين (الحركه الوطنيه) كما أن رجال الدين الطائفي قاموا بفتح ابوابهم للشباب المثقفين حيث تجمع دعاة الاستقلال فى منزل الإمام عبدالرحمن المهدى وأسسوا (حزب الأمه) والآخرين يجتمعوا فى منزل السيد الميرغني وأسسوا (حزب الشعب ثم الاشقاء ثم الوطنى الاتحادي ) بسبب الإختلاف حول مفهوم (الوحده أم الإتحاد ) مع مصر هذا الحراك السياسي هو مايعرف آنذاك بميلاد الحركه السياسيه السودانيه (تاريخ تكوين الاحزاب ١٩٤٣) ولاحقا تم تكوين الجبهه المعاديه للإستعمار (الحزب الشيوعي) ولذلك تشكلت الساحه السياسيه فى لونيين سياسيين هما (اليمين واليسار ) هذه التطورات المتسارعه تزامنت مع ميلاد ثورة حقوق الانسان التى توجت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ١٩٤٨م وإعطاء الشعوب حق تقرير المصير والمطالبه بالاستقلال ولذلك لجأ الانجليز الى سياسة فرق تسد حيث قاموا بالدعوة الى تكوين المجلس الاستشاري لشمال السودان(حزب جهوي ) من رجال الاداره الاهليه والتجار وبعض موظفى الخدمه المدنيه والعسكريه من اولاد الافنديه الذين لايزالون مخلصون لأولياء نعمتهم الإنجليز وظلوا يرفدوا جهاز المخابرات الانجليزي بتقارير عن نشاط المثقفين السودانيين ونشاط رجال الدين (دعاة الاستقلال) فقد أجريت انتخابات صوريه (الإستهبال السياسي) فى شمال السودان وتم عزل جنوب وشرق وغرب ووسط السودان من المشاركه (حواضن المهديه وأنصار دعاة الاستقلال) تهميدا لإعلان الحكم الذاتى كمدخل للإستقلال فكانت الطعنه الثانيه القاتله فى خاصرة الدولة والوطنيه والسيادة حيث إستخدم الانجليز ذات الأدوات التى دمرت الدوله السودانيه الوطنيه المستقله ذات السياده (الدوله المهديه) إستخدمتهم لتدمير الدوله بعد خروج الإنجليز وتمهيدا لذلك ووفاءا لمهر العماله والخيانه قام الإنجليز بسودنة الوظائف المدنيه وتسليمها تسليم مفتاح لأولاد الافنديه وسودنة الوظائف العسكريه وتعيين أول سودانى قائد لقوة دفاع السودان ١٩٥٤ الاميرالاي أحمد محمد أحمد الجعلى وعن طريق الإستهبال السياسي وسرقة إرادة الشعوب كونت البرلمان التشريعى من المجلس الاشتراكى لشمال السودان
إلى وصل دعاة الاستقلال من الوطنيين السودانيين إلى البرلمان عبر انتخابات حره ونزيهه وحققوا الإستقلال ١٩٥٦ وتم جلاء الإنجليز وطرد بقايا المصريين (ياغريب يله لبلدك)
تحياتى
إسماعيل أحمد رحمه المحامى والمستشار القانونى الدولى ٢٦يناير٢٠٢٦م
(ذكرى تحرير الخرطوم)




