مهددات الأمن القومي السوداني والإقليمي والدولي جراء التعاون بين الحوثيين والإخوان في بورتسودان
الخبير الامني والاستراتيجي د.مجدي شريف

الخبير الأمني والاستراتيجي د. مجدي شريف
لم يعد الحديث عن اختراقات أمنية في السودان مجرد تكهنات أو تحذيرات نظرية، بل أصبح واقعًا ماثلًا يستوجب الوقوف عنده بجديةٍ قصوى. ففي ظل الفوضى التي خلفتها الحرب، ومع الانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة، تسللت مجموعات متطرفة إلى البلاد، ووجدت في شرق السودان – وتحديدًا بورتسودان – أرضًا رخوة تمكنها من بناء منصات استراتيجية تهدد الأمن القومي السوداني، وتمتد آثارها إلى الإقليم والعالم.
وفي هذا السياق، كشف موقع ناصيف العبري في أحدث تقاريره معلومات خطيرة حول تعاون وثيق بين جماعة الإخوان المسلمين المسيطرة على مفاصل القرار في بورتسودان، وبين جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن. وبحسب التقرير، فقد انتقل ثلاثة من أبرز قيادات الحوثيين إلى مدينة بورتسودان منذ أكثر من أسبوعين، في خطوة تُعد سابقة في خطورتها، ولا يمكن تفسيرها بمعزل عن عمليات إقليمية واسعة يجري الإعداد لها على ساحل البحر الأحمر.
هؤلاء الثلاثة – كما ورد في التقرير – يمثلون الدائرة الصلبة للعمل الميداني الحوثي:
1. عقيل الشامي: القائد البارز المنحدر من صعدة، وقائد ألوية النصر، وهي من أقوى تشكيلات المليشيا وأكثرها ارتباطًا بالعمليات النوعية في الساحل.
2. زيد المؤيد: مسؤول إدخال ونقل الأسلحة إلى مدينة الحديدة، وعضو محوري في شبكة التهريب الحوثية الممتدة عبر البحر.
3. حمزة أبو طالب: المشرف العام على عمليات الجماعة على ساحل البحر الأحمر، والمسؤول عن التخطيط اللوجستي للعمليات البحرية ونقاط الانطلاق.
وجود هذه الأسماء في بورتسودان، وفق معلومات التقرير، ليس حادثًا عرضيًا ولا زيارة بروتوكولية، بل جزء من خلية تعمل بتنسيق مباشر مع قيادات إخوانية داخل السودان، ومع فرع حركة الشباب الصومالية، ما يشير إلى بناء شبكة إرهابية عابرة للحدود تستخدم السودان نقطة ارتكاز لانطلاق عملياتها.
يشير التقرير إلى أن هذه الخلية مكلّفة بمهام تتعلق بـ تهريب الأسلحة إلى عدة مناطق صراع، أهمها غزة، وسواحل اليمن، وربما مناطق أخرى في إفريقيا.
ومع الانهيار الأمني الذي تشهده مناطق واسعة من الساحل السوداني، فإن مثل هذه الشبكات تستطيع التحرك بحرية خطرة، وتستغل الموانئ والقوارب المحلية، وتستفيد من غطاء سياسي توفره جهات إخوانية داخل بورتسودان.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل ما رجّحه التقرير من أن الهجوم الذي استهدف مؤخرًا سفينتين في البحر الأحمر قد يكون انطلق من سواحل البحر الأحمر في السودان. فإذا صحّ ذلك، فإنه يضع السودان في قلب أزمة دولية تتعلق بسلامة الملاحة البحرية، ويخلق توترًا كبيرًا مع القوى البحرية الكبرى التي تدير الأمن البحري في المنطقة.
إن البحر الأحمر ليس مسطحًا مائيًا عاديًا، بل هو أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويمر عبره ما يقارب 12% من التجارة الدولية. وتحوّل أي نقطة على ساحله إلى منصة لعمليات التهريب أو الاعتداء على السفن التجارية يحمل تداعيات خطيرة:
• تهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية.
• رفع تكاليف التأمين والشحن، بما يؤثر على اقتصادات الدول المطلة.
• احتمالات تدخل عسكري دولي داخل المياه الإقليمية السودانية.
• ربط السودان بشبكات إرهابية إقليمية يجعل البلاد هدفًا للعقوبات والعزلة.
إن دخول الحوثيين إلى بورتسودان عبر بوابة الإخوان لا يعني مجرد تعاون عابر، بل يشير إلى محاولة منهجية لتحويل السودان إلى بؤرة تفريخ وتنسيق لجماعات متطرفة تعمل تحت أجندات إقليمية لا علاقة لها بمصالح السودان ولا بأمنه القومي.
كذلك الجماعات المتطرفة لا تنمو إلا في بيئة الفوضى، والإخوان – بوصفهم الجهة المسيطرة على مفاصل القرار في شرق السودان – يوفرون هذه البيئة عن عمد. فمن خلال إطالة أمد الحرب، وإفشال كل مبادرة لوقف إطلاق النار، والارتهان لمحاور إقليمية، تُفتح البلاد أمام شبكات التهريب والسلاح، وتُترك حدودها وموانئها بلا منظومة أمنية قادرة.
إن هذا التواطؤ بين الإخوان والحوثيين، وامتداده إلى حركة الشباب الصومالية، لا يهدد الأمن القومي السوداني فحسب، بل يضرب الأمن الإقليمي في مقتل، ويمنح الجماعات المتطرفة منفذًا واسعًا للانتشار في المنطقة. كما إن تكرار سيناريوهات الصومال واليمن ليس مستبعدًا إذا ترك السودان في هذا الوضع المأساوي دون معالجة جذرية.
غني عن القول، إن أخطر ما في السيناريو الذي يكشفه التقرير هو احتمال تحول السودان إلى محطة مركزية للإرهاب العابر للحدود. فوجود ثلاث جماعات – الإخوان، الحوثيين، وحركة الشباب – في بيئة واحدة، وتحت غطاء سياسي منسلخ عن مصالح الدولة، يخلق خليطًا شديد الانفجار.
وهذا التحول ستكون له تداعيات مباشرة:
• استباحة السودان لشبكات الإرهاب الدولي.
• انهيار ما تبقى من أجهزة الدولة الأمنية.
• تحويل المناطق الساحلية إلى مناطق عمليات.
• استدامة الحرب وإعادة إنتاجها بصورة أكثر وحشية.
خاتماً
إن ما يجري في بورتسودان ليس مجرد تعاون محدود، بل مؤامرة أمنية واستراتيجية كبرى تستهدف السودان في حاضرِه ومستقبلِه. وإن ترك هذه الجماعات تعبث بأمن البلاد سيقود إلى كارثة إقليمية قد تمتد لسنوات طويلة، وتلقي بظلالها على التجارة الدولية وعلى أمن دول البحر الأحمر كافة.
كما إن الواجب اليوم هو وقف هذا الانزلاق فورًا، وإعادة بناء مؤسسات الأمن القومي، واستعادة الموانئ من أيدي الجماعات التي حولتها إلى منصات أزمات. فالسودان يستحق أن يكون بلدًا آمنًا يحمي محيطه ولا يهدده، ولا يجوز السماح للإخوان بتحويله إلى مركز لوجستي للإرهاب تحت غطاء الفوضى والحرب.
لا خيار أمام السودانيين إلا إغلاق هذا الباب إلى الأبد، قبل أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع عالمي، ويصبح السودان نفسه وقودًا لمعركة لا ناقة له فيها ولا جمل.



