
نجم الدين دريسة
من لا يؤسس قواعده أولاً، سيبني قصرًا على رمال متحركة.
يمثل تحالف السودان التأسيسي الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني قادر على إعادة بناء الدولة بطريقة عادلة وفعّالة. منذ انعقاد مؤتمر نيروبي، أُنتجت وثائق سياسية وفكرية هي الأكثر نضجًا وعمقًا في تاريخ السودان الحديث، وضعّت تصورًا شاملًا لمستقبل الدولة، وأطرًا للعمل السياسي والتنظيمي لم يشهد السودان مثيلاً لها. لكن بعد أكثر من سبعة أشهر، لا تزال هياكل التحالف التشريعية والتنفيذية غير مكتملة، ما يهدّد قدرة التحالف على أداء دوره الأساسي في توفير غطاء سياسي وحاضنة فكرية للحكومة والمشروع الوطني برمّته.
الأولوية القصوى اليوم ليست الحكومة وحدها، بل إتمام بناء التحالف كمؤسسة سياسية متكاملة، قادرة على توجيه المسار، وخلق المرجعية التي تمنح القرارات شرعيتها، وتوفر الدعم والإطار الضروري لتطبيق السياسات على الأرض. فالتحالف هو العقل الذي يوجّه، والقوة التي تمنح الحكومة القدرة على التحرك بثقة وفعالية، وهو الضامن لتوحيد الرؤى بين مختلف الأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية.
غياب هذه الهياكل يترك الحكومة في موقف هش، إذ تصبح كل خطواتها عرضة للارتجال، والقرارات بلا غطاء سياسي، والفعل التنفيذي بلا منظومة محكمة. وبذلك، يتحول كل مشروع إصلاحي محتمل إلى مجرد محاولة مؤقتة لا ترتبط بخطة واضحة أو استراتيجية قابلة للتطبيق. وهذا التأخير في بناء هياكل التحالف ليس مجرد قصور تنظيمي، بل تهديد مباشر لمستقبل مشروع التأسيس نفسه، وقد يؤدي إلى تراجع الثقة الشعبية والسياسية فيه قبل أن يتمكن من تحقيق أي أثر ملموس.
الوثائق التي خرجت من مؤتمر نيروبي توفر خريطة طريق غير مسبوقة في تاريخ السودان، لكنها لا تتحول إلى واقع إلا إذا وُجدت البنية التنظيمية التي تضبط تطبيقها وتنسق العمل بين مختلف الأجهزة السياسية والإدارية. بدون هذه الهياكل، تبقى الرؤية مجرد نصوص نظرية، والسياسات مجرد شعارات، ولا تجد الحكومة القوة أو المرجعية التي تجعلها قادرة على ترجمة تلك الرؤية إلى نتائج على الأرض.
إكمال هياكل التحالف يعني بناء مؤسسات تشريعية وتنفيذية قادرة على معالجة الخلافات الداخلية، وتحديد أولويات العمل، وضمان مشاركة جميع الأطراف، ورسم استراتيجيات واضحة، وتوفير الرقابة والمساءلة. وهذا هو الطريق الوحيد لضمان أن الحكومة ليست مجرد واجهة شكلية، بل أداة فعالة ضمن مشروع سياسي متكامل، يحمي الدولة ويعيد الثقة بين الشعب وقياداته.
المرحلة الراهنة حرجة، والوقت لا يحتمل الانتظار. التأخير المستمر في إتمام الهياكل يضاعف مخاطر الفوضى، ويضعف قدرة التحالف على فرض خطاب موحد، وإدارة المرحلة الانتقالية بنجاح. لذا، فإن إكمال هياكل تحالف السودان التأسيسي ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة قصوى لمستقبل الدولة ومشروع التأسيس بأكمله.
الرهان اليوم ليس على تشكيل الحكومة وحدها، بل على قدرة التحالف على توفير المرجعية الفكرية والسياسية، وبناء هياكل تشريعية وتنفيذية قوية، قادرة على ضبط الإيقاع، وتوجيه الدولة نحو مسار واضح، وحماية المشروع الوطني من أي انحراف أو فشل محتمل. فقط حينها يمكن للحكومة أن تتحرك بفعالية، وحينها يصبح مشروع التأسيس حقيقة ملموسة وليست مجرد فكرة نظرية أو شعار فارغ.




