رأي

بتشكيله لحكومته “التعايشي” يكسر الصورة التقليدية لتشكيل الحكومات في السودان منذ الاستقلال

لنا مهدي

 

لنا مهدي

لم يكن التحدي الأكبر أمام حكومة السلام بقيادة “محمد حسن التعايشي” رئيس الوزراء هو تشكيل سلطة جديدة بقدر ما كان كسر الصورة التقليدية التي ظلت تربط الحكم في السودان بمراكز نفوذ بعينها ولذلك جاء الرهان منذ البداية على بناء معادلة سياسية تجعل الانتماء للدولة يسبق الانتماء للجهة والقبيلة والتنظيم لأن أي حكومة تنطلق من عقلية الغلبة ستجد نفسها تحكم جزءاً من السودان بينما تعادي الجزء الآخر أما الحكومة التي تؤسس على الشراكة فإنها تفتح أبوابها لكل من يؤمن بمشروعها مهما كان موقعه أو خلفيته

قومية الحكم لا تتحقق بالشعارات ولا بعدد الوزراء القادمين من الأقاليم وإنما بطريقة صناعة القرار نفسها فعندما يشعر المواطن أن صوته حاضر في مؤسسات الدولة يصبح الحديث عن الوطن أكثر واقعية من الحديث عن الجغرافيا الضيقة ولهذا اتجهت الحكومة إلى تقديم نفسها باعتبارها إطاراً سياسياً مفتوحاً لا حكومة تمثل فئة بعينها ولا امتداداً لسلطة احتكرت الدولة لعقود

هذا التحول منح الحكومة قدرة على استقطاب شخصيات وقوى اجتماعية وسياسية كانت تنظر إلى السلطة المركزية بريبة لأن الخطاب الجديد لم يقم على الثأر السياسي ولا على إعادة إنتاج معارك الماضي وإنما على فكرة أن السودان لا يمكن أن يدار بعقل المنتصر والمهزوم وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء مؤسسات تتسع للجميع أكثر من حاجتها إلى صناعة خصومات جديدة

ومع مرور الوقت بدأ التمدد يأخذ شكلاً مختلفاً فلم يعد مرتبطاً بتحريك الإدارات من العاصمة إلى الأطراف بل بخلق حضور سياسي وإداري داخل المجتمعات نفسها عبر التواصل مع القيادات الأهلية والفعاليات المدنية والشبابية وإشراك الكفاءات المحلية في إدارة الشأن العام وهو ما جعل الحكومة تتحرك داخل مساحات كانت بعيدة عن نفوذ الحكومات المركزية التقليدية

كما أن التمدد لا يقاس فقط بالسيطرة على الأرض وإنما بقدرة المشروع السياسي على إقناع الناس بأن المستقبل الذي يطرحه أكثر استقراراً من البدائل الأخرى فكلما توسعت دائرة المؤيدين وتراجعت حالة الاستقطاب ارتفعت فرص ترسيخ مؤسسات الحكم وازدادت قدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة

ويبقى نجاح أي تجربة مرهوناً باستمرارها في الحفاظ على هذا الطابع القومي لأن السودان بلد شديد التنوع ولا يحتمل العودة إلى نماذج الإقصاء القديمة وكلما نجحت حكومة السلام في تحويل التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من اعتباره سبباً للصراع فإن فرص تمددها في بقية أنحاء السودان ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تقديم نموذج حكم يشعر معه المواطن أن الدولة أصبحت ملكاً لجميع السودانيين لا حكراً على مجموعة أو إقليم أو تيار سياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!