رأي

التوافق الوطني: الطريق نحو عقد اجتماعي جديد ودولة مواطنة

عبدالرحمن ابورندة ...بنسلفانيا

 

عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا 

يمر السودان اليوم بلحظة حاسمة تتطلب وقفة وطنية واعية. عقود من الصراع والانقسامات والهيمنة السياسية والعسكرية على القرار الوطني خلفت إرثاً من الظلم والتهميش، وأدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي وضعف المؤسسات، الأمر الذي جعل التوافق الوطني ضرورة لا بد منها للخروج من أزمات متراكمة. تأسيس عقد اجتماعي جديد هو السبيل لتجديد الدولة وبناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطنين، بعيداً عن الاستئثار السياسي والانقسامات الإثنية والمناطقية.

أول خطوة في هذا المسار هي الالتزام بإنهاء الحرب وإرساء أسس سلام مستدام عبر إصلاح أمني شامل يعيد بناء القوات النظامية على أسس مهنية ووطنية، ويضعها تحت سلطة مدنية منتخبة. هذا الإصلاح العسكري لا يهدف فقط إلى إنهاء النزاعات، بل إلى كسر إرث السيطرة الأيديولوجية الذي سيطر على الجيش لعقود، وضمان أن تكون القوة العسكرية أداة لحماية الوطن والمواطن، لا أداة للهيمنة السياسية. إلى جانب ذلك، يجب أن يقترن هذا الإصلاح ببناء منظومة عدلية مستقلة ومهنية تعالج آثار الحرب وتضمن العدالة الانتقالية، بما يوازن بين المحاسبة وجبر الضرر ويعيد الثقة في القانون والمؤسسات.

لكن الإصلاح المؤسساتي وحده لا يكفي. فاستقرار الدولة يتطلب تأسيس عقد اجتماعي جديد يشمل كل القوى السياسية والمدنية والاجتماعية، ويضع إطاراً للحوكمة العادلة والمساءلة والمشاركة الفاعلة. هذا العقد يجب أن يضمن المساواة والعدالة لجميع المواطنين، ويكرّس مفهوم دولة المواطنة، التي لا تفرق بين أبناء المجتمع على أساس عرق، دين، قبيلة أو جهة، ويؤسس لسيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية.

الركيزة الثانية للعقد الاجتماعي هي بناء مؤسسات سياسية قوية تعمل على دمج مصالح جميع المكونات، مع نظام سياسي يوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية ويضمن الشفافية والاستقرار. اعتماد نظام رئاسي-برلماني هجين، مع آليات واضحة للفصل بين السلطات وحوكمة شفافة، سيتيح إدارة فعّالة للمرحلة الانتقالية ويحد من سيطرة النخب العسكرية أو الميليشيات على القرار السياسي.

إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون العقد الاجتماعي مصحوباً بإصلاح اقتصادي مستدام، يقوم على العدالة وتوزيع الموارد بشكل متوازن، ويضمن قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار بعد الحرب. فالشرعية الاقتصادية تكمل الشرعية السياسية، وتخلق قاعدة مستدامة للسلام والتنمية، وتحد من الصراعات الناتجة عن الفقر والتهميش.

أخيراً، يحتاج السودان إلى سردية وطنية جامعة تعيد تعريف الهوية المشتركة وتوحد المجتمع حول مشروع نهضوي واضح. هذه السردية تشكل الأساس لتعزيز الانتماء الوطني، ولضمان مشاركة المواطنين في عملية إعادة البناء، وتوجيه طاقة الشباب نحو الإنتاج والتطوير بدلاً من النزاعات والانقسامات.

إن تأسيس توافق وطني حقيقي، وعقد اجتماعي قوي، ودولة مواطنة، هو السبيل لكسر دائرة العنف والانقسامات، وبناء مستقبل يسوده العدالة والمساواة والتنمية المستدامة. بدون هذه الأسس، ستظل البلاد عرضة للتفكك والصراعات، بينما يمثل الاتفاق الوطني الموحد الطريق لضمان سلام دائم واستقرار وطني يعكس تطلعات الشعب ويعيد للأجيال القادمة الأمل بمستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!