رأي

السودان و(دوسيه) الأمن القومي المصري

حاتم إلياس المحامي

 

حاتم الياس المحامي

هنالك عبارة يردّدها كثير من المختصين وغير المختصين كذلك، ويتم رميها في قلب الحديث أو في ابتداره كأحد أدوات الإقناع الصلدة التي يعلنها المحاور دون أن يتم تفسير مرجعيتها وتحولاتها، وهي عبارة الأمن القومي لمصر. وللطرافة، فإن هذه العبارة لا تتردد كثيرًا إلا فيما يتعلق بالسودان، وهو أمر مفهوم نظرًا لتعقيدات العلاقة وحضور الجانب الأمني والجيوسياسي المعقد لمصر في السودان.

غير أن مفهوم الأمن القومي لمصر — حين يرتبط بالسودان — يبدو وكأنه يتيح مساحة واسعة من المواقف السياسية التي تحمل قدرًا كبيرًا من البراغماتية، ومقدارًا أكبر من الخلل في النظر لقضايا السودان. إذ تنطلق هذه المواقف من التذرع بمفهوم الأمن القومي، لكنها توظفه سياسيًا لتبرير مواقف أصولية تعيد تفسير العلاقة، وتحجب التفكير في واقع التحولات داخل السودان، وتحاصر أي رؤية أوسع لمفهوم الأمن القومي نفسه، بحيث يبدو كثيمة أيديولوجية جامدة، لا كمعطى متغير قابل للنظر من وجوه متعددة.

وهذا ما يجعل السياسة المصرية تجاه السودان تعاني من فشل دائم؛ إذ تفاجئها الأحداث السياسية، فلا تلجأ إلى تحليلها بما يخدم مصالح الشعبين بل تتورط فيها على نحو كارثي مجافٍ لرغبة الشعب السوداني في الديمقراطية والدولة المدنية، ليُحشر كل شيء داخل ملف أمني بيروقراطي، يخلو من الحس المبدع والديناميكي الذي يدرك ما يريده السودانيون. وهي حالة فشل مستمرة يمكن إرجاعها بسهولة إلى عقلية الموظف الذي يتبع النُظم واللوائح دون أي مساحة تفكير خارجها.

وبالنظر إلى خطاب الأمن القومي نفسه، نجد كثيرًا من المحللين والكتّاب المصريين يتحدثون عنه بطريقة تشبه طريقة التيارات الدينية حين تستدعي النصوص لتفسير وقائع راهنة. فلا يختلف الأمر كثيرًا عن إعادة تدوير مفهوم الأمن القومي المصري الذي يحضر بكثافة في الحالة السودانية، ويكاد يغيب في ليبيا وغزة، رغم تشابك المصالح. وهذا الحضور المكثف في السودان مفهوم جيوسياسيًا، خاصة فيما يتعلق بالأمن المائي، لكن الجمود الذي يلفّ مفهوم الأمن القومي داخل أروقة المخابرات المصرية وجهازها البيروقراطي هو ما يفرغه من التطور ويقصر النظر على تفسيرات تقليدية.

إحدى الإشكاليات الجوهرية في السياسة المصرية الرسمية هي البنية السلطوية التي يهيمن عليها الجيش، والتي تدفع باتجاه خلق نموذج سياسي في السودان يشبه النموذج المصري، دون اعتبار للفوارق التاريخية والسياسية والعقلية بين البلدين. وقد أدى ذلك لخصومة مستمرة بين مصر الرسمية والقوى المدنية السودانية، رغم أن هذه القوى قد تكون الأقدر على بناء علاقة صحية ومصالح مشتركة. لذلك كانت مصر الرسمية دائمًا في الجانب الخاطئ من التاريخ في السودان؛ إذ دعمت كل الانقلابات منذ الأول وحتى آخر انقلاب متهور؛ دعمته وشجّعته وكانت النتيجة هذه الحرب المتوحشة.

وبرغم كل ما حدث وما نحتمله من الجارة الشقيقة، فإن السودان ظل مجرّد ملف جامد في “دوسيه الأمن القومي المصري”، ملف مليء بالأوهام، ممنوع على المصريين القادرين على التفكير النقدي، وممنوع على السودانيين من تقديم مقاربة مشتركة مختلفة.

وتدعم مصر الرسمية اليوم بورتسودان وجيشها بخطاب «دعم مؤسسات الدولة»، رغم إدراكها أن تلك المؤسسات تحت قبضة الإسلاميين—كما أشار حاتم باشات في لقاء تلفزيوني بدا وكأنه مجرد «ونسة». وهذا الادعاء محاولة للهروب من الاعتراف الصريح بدعم الإسلاميين تحت مسمى المؤسسات. ورغم أن مؤسسات الدولة لا يمكن أن تنهض دون إرادة السودانيين، إلا أن التجربة المصرية لم تستوعب معنى الإرادة الشعبية منذ ثورة عرابي، مما يجعل الحديث عن رفض الشعب السوداني للكيزان صعبًا عليهم.

أعتقد أن الفشل المصري سيستمر ما دامت مصر تكتفي بتوظيف السودان كأداة عرض سياسي إقليمي ودولي. وهذا المسار قد يقود إلى خروج مصر نهائيًا من التأثير في السودان. لذلك تحتاج مصر إلى رفع يدها عن بورتسودان الإسلاميين، وأن تكون مساهمة في بناء سلام حقيقي، بعيدًا عن شعارات «مؤسسات الدولة» التي لا تخفي دعم الإسلاميين في لحظة ضعف عابرة. فالإسلاميون لن ينسوا ما حدث في رابعة، وسيسعون — إذا استعادوا السلطة — إلى العبث بالأمن القومي المصري نفسه عبر دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة، لأن مصر «الإسلامية» تظل هدفًا مركزيًا لديهم.

مع كل ذلك، لا يزال القرار السياسي المصري صمّامًا لا يستجيب للتحولات. فمصر الرسمية تخاف — دون مبرر — من بديل مدني ديمقراطي في السودان، أكثر مما تخاف من الإسلاميين. وعليها أن تستعد لهذا البديل، وأن تستعد — قبل ذلك — لمراجعة مفهومها القديم للأمن القومي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!