
نجم الدين دريسة
يمرّ السودان بمرحلة تُظهر بجلاء أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في الجهة التي تتحكم في القرار داخل المؤسسة العسكرية. فقد بات واضحًا أن الجيش، الذي يفترض أن يكون مؤسسة الدولة الأوسع والأكثر قومية، أصبح واقعًا تحت تأثير مباشر لجماعات الهوس الديني التي تنظر إلى السلام باعتباره تهديدًا وجوديًا، لا فرصةً لإنقاذ البلاد. وفي مثل هذه اللحظات يصدق القول إن الأوطان لا تنهار حين يشتد عليها الخطر، بل حين تُدار مؤسساتها بعقل غير عقلها.
البيان الذي صدر من قيادة الجيش خلال الأيام الماضية كشف عن تطابق عجيب مع خطاب الحركة الإسلامية، تطابق لا يمكن تفسيره بمجرد التلاقي السياسي. فاللغة واحدة، والنبرة واحدة، والمنطق الذي يصوغ المواقف واحد أيضًا، مما يبرهن على أن العقل الذي يدير المؤسسة ليس عقل دولة، بل عقل جماعة تسعى لإعادة إنتاج مشروعها داخل الجيش. وقد قيل إن الكلمات التي تتشابه مصادرها تحمل الحقيقة معها مهما حاولت التخفي.
وجاءت مذكرة سلطة بورتسودان لتكمل هذا المشهد المأزوم. فقد حملت خطابًا متوترًا، مضطربًا، بعيدًا عن المنطق الدبلوماسي، وأقرب إلى ردود الفعل المتوترة منها إلى رؤية دولة مسؤولة. وقد ظهر جليًا أن التيار المؤدلج داخل المؤسسة يشعر بأن أي خطوة نحو السلام تعني نهايته. وليس غريبًا أن تُقال الحكمة القديمة: الخائفون من التغيير هم أول من يرفعون أصواتهم ضده.
وفي قلب هذا الوضع يظهر البرهان، لا كقائد يمتلك قراره، بل كشخصية تتفاعل مع الضغوط أكثر مما تقودها. فقد حاول أن يبدو بمظهر الرجل القوي، بينما تكشف الأحداث أنه آخر من يملك القرار داخل الجيش. يتراجع عن مواقفه، يغيّر وعوده، ويوقّع على ما لا يتابعه. وكما يقول أهل الخبرة: أسوأ القادة من يتحدث بثقة بينما القرار الحقيقي ليس في يده.
لقد أدركت الرباعية بوضوح أن العقدة ليست في تفاصيل المبادرات ولا في تعقيدات الميدان، بل في أن قيادة الجيش نفسها لا تملك سلطة القرار. وأن الطرف المسيطر فعليًا هو تيار عقائدي يرى في السلام خصمًا وفي الحرب وسيلة للبقاء. وهنا تتأكد القاعدة البسيطة: لا يمكن لوطن أن ينهض وجيشه يُقاد بعقل جماعة لا بعقل دولة.
إن ما جرى خلال هذه الحرب كشف حقيقة لا يمكن تجاهلها أو تجميلها: الدولة السودانية اليوم بلا جيش بالمعنى الوطني والمؤسسي، بل بجهاز عسكري مختطف تملكه جماعات، وتتحكم في قراره دوائر لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة. لقد أظهرت الوقائع أن المؤسسة الحالية عاجزة عن حماية الوطن أو اتخاذ قرار مستقل، وأن استمرارها بصورتها الراهنة يعني استمرار الانهيار. ولذلك فإن المهمة الأكثر إلحاحًا ليست في التفاوض حول وقف النار فحسب، بل في تأسيس جيش جديد على أسس مهنية وقومية، جيش يُبنى من الصفر بعيدًا عن الأيديولوجيا، ويخضع للدولة لا للجماعات، ويكون امتدادًا للشعب لا ظلًا لتيار سياسي. فالسودان لن ينهض ما لم يستعد جيشًا حقيقيًا، جيشًا يملك قراره ويعرف أن وظيفته حماية الوطن لا حماية مشروع.




