رأي

سقوط الوهم… البرهان وطلاءٌ باهت لجيشٍ يحكمه الإسلامويون

ابو عبد الله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

في مشهد سياسي يزداد تعقيداً، يحاول عبد الفتاح البرهان الظهور بمظهر القائد الذي يتخذ قرارات حاسمة لإصلاح المؤسسة العسكرية، عبر إبعاد ضباط محسوبين على التيار الإسلامي. غير أن هذا المشهد المصطنع سرعان ما يتبدد عند أول اختبار جدي، إذ تتكشف الحقيقة الجوهرية التي لم تعد خافية على أحد: البرهان لا يملك قراره، والجيش نفسه واقع تحت سيطرة كاملة لجماعات الهوس الديني التي تحكمه من خلف الستار.

كانت الزيارة السرية التي قام بها البرهان إلى جنيف قبل أسابيع، ولقاؤه بمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية مسعد بولوس، مؤشرًا على تحركات مضطربة تسعى إلى تقديم تنازلات محسوبة للضغط الدولي. وبالفعل، جاءت بعدها خطوات سريعة تمثلت في إحالة ضباط بارزين إلى التقاعد، أبرزهم اللواء نصر الدين عبد الفتاح، أحد الوجوه الصلبة للتيار الإسلامي داخل الجيش. خطوة وُصفت حينها بأنها محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأن ثمة إرادة جديدة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفصلها عن نفوذ الإسلاميين.

لكن سراب الإصلاح تلاشى سريعاً. فلم تُظهر قيادات الحركة الإسلامية أي ارتباك، بل خرجت بتصريحات متحدية ومطمئنة لأنصارها، مؤكدة أن نفوذها داخل الجيش لم يُمس، وأن البرهان لا يستطيع الاقتراب من بنية القوة التي بنتها داخل المؤسسة العسكرية منذ عقود. وهكذا انكشف جوهر القرارات: محاولة تجميلية لا تمس صلب الأزمة.

القوى المدنية والمناهضة للحرب لم تنطلِ عليها هذه المسرحية. فقد انقسمت التفسيرات بين من رآها خطوة تكتيكية لامتصاص الضغط الدولي، وبين من اعتبرها جزءاً من إعادة تموضع هدفه كسب الوقت، لكن الجميع اتفق على حقيقة واحدة: البرهان ليس صاحب قرار داخل الجيش. فالضباط الذين أُبعدوا يمكن استبدالهم بآخرين يحملون الولاء ذاته والانتماء ذاته، بينما تبقى مراكز القوى الإسلاموية مترابطة ومهيمنة على مفاصل المؤسسة.

حتى الكاتبة المصرية المهتمة بالشأن السوداني أماني الطويل، التي حاولت قراءة الخطوة على أنها بداية تحول حقيقي، وجدت نفسها أمام واقع يُكذّب الرغبة أكثر مما يؤكدها. فبعد أيام قليلة فقط، اتضحت حدود البرهان السياسية، وتأكد عجزه الكامل عن اتخاذ أي قرار يمس نفوذ الإسلاميين. فقد خرجت قياداتهم بتصريحات مباشرة: “البرهان لا يجرؤ على السلام”، و“لن ينجو إن حاول التخلص من الإسلاميين”. هذه اللغة تكشف بوضوح طبيعة العلاقة التي تحكم الطرفين: قائدٌ صوري محاصرٌ داخل جيش لا يدين له بالولاء.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تصرّف البرهان كقائد يتكئ على مؤسسة ليست في قبضته. وكل خطوة حاول اتخاذها لتأكيد استقلاليته السياسية انتهت بتعريته تماماً، وإعادته إلى حجمه الحقيقي كواجهة تُستخدم لإدارة الدولة من وراء ستار أيديولوجي كثيف. وفي المقابل، باتت القوى المدنية أكثر يقيناً بأن الإصلاح الداخلي مستحيل، وأن أي محاولة “تجميلية” لن تخدع أحداً. وقد لخّص أحد الناشطين المشهد بدقة حين قال: “حتى لو أحرق جيشه بالكامل فلن نصدقه؛ لأن الحقيقة ثابتة: البرهان لا يملك القرار.”

لقد كشفت الحرب وما تلاها من قرارات مرتعشة، حقيقة أشد قسوة مما توقعه كثيرون: الدولة بلا جيش، والجيش بلا قيادة، والقرار مختطف بالكامل. فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون عماد الدولة ليست سوى ذراع لجماعة أيديولوجية تستثمر في الفوضى وتتمسك بالحرب كخيار وحيد يضمن بقاءها.

إن أي حديث عن إصلاح أو تسوية سياسية يصبح بلا معنى ما لم يُتخذ القرار الجذري: تأسيس جيش جديد بالكامل، غير مؤدلج، غير مخترق، جيش وطني يحمي البلاد ولا يتحول إلى أداة بيد جماعة أو قائد ضعيف.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى طلاءٍ باهت يقدّمه البرهان، بل إلى إعادة بناء حقيقية تبدأ من المؤسسة العسكرية ذاتها… وإلا ستبقى البلاد في دوامة جيشٍ مختطف ودولةٍ بلا سند.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!