
أدهم الضهيب
في جنوب دارفور، حيث تتقاطع الذاكرة مع الجغرافيا، تبرز محلية قريضة لا كمنطقة عبور عادية، بل كظلٍّ ضارب في عمق فكرة التعايش نفسها. فهذه البقعة التي لطالما عانت من الحرمان والتهميش تُقدّم اليوم ما تعجز عن تقديمه مدنٌ أكبر وأعرق: نموذجاً عملياً لمجتمع قرر أن ينتصر للحياة رغم الحرب، وأن يختار الوئام حين اختار آخرون الفوضى.
زيارتنا الأخيرة ضمن وفد الولاية والتحالف التأسيسي لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل كانت نافذة مفتوحة على روح المكان. ترأس الوفد رئيس الإدارة المدنية لجنوب دارفور، يرافقه كبار المسؤولين والأجهزة الأمنية بقيادة الجنرال العميد البشر بلائل. وكان لي شرف المشاركة إلى جانب الزميلين الأستاذ أشرف عبد الجليل من اللجنة الإعلامية، والأستاذ حافظ أحمد من لجنة الاتصال بالتحالف، في مهمة تقييم الأوضاع في المحليات الجنوبية.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن قريضة ليست مجرد جغرافيا، بل كيان حيّ نابض بالتنوع. الاستقبال الشعبي كان مبهراً: أعيان، قيادات أهلية، نساء يحملن إرادة لا تلين، شباب يفيضون بالوعي والطموح. كل كلمة قيلت وكل يد مصافحة حملت رسالة واحدة: السلام ليس خياراً… بل حاجة وجودية.
قريضة، بطبيعتها الزراعية والرعوية، هي أكثر المناطق قدرة على التحول إلى مركز نهوض وتنمية. لكنها في الوقت ذاته من أكثر المناطق التي تعرضت لإضعاف ممنهج وحرمان متراكم، حتى صارت الخدمات الأساسية فيها أشبه بالحلم: مستشفى غائب، مدارس بلا مقومات، طرق تقاوم الزمن والمطر والقدر. ورغم ذلك، فإن مجتمعها — المزارعون والرعاة — يقدم درساً بليغاً في كيفية إدارة التنوع بلا خصومة، وتشجير الخلافات بالحوار لا بالرصاص.
هذا النموذج لا يجب أن يُترك ليذبل. فحين تجد منطقة في دارفور قادرة على تثبيت التعايش بنفسها، دون دعم كافٍ، فمن واجب الدولة والمجتمع والمنظمات أن يتسابقوا لتعزيزه. لأن حماية قريضة ليست حماية لمكان فقط، بل حماية لقيمة نادرة في هذه المرحلة الحرجة: قيمة أن يختار الناس بعضهم رغم كل شيء.
إن الحفاظ على هذا النسيج الاجتماعي لا ينتمي لرفاهية القرارات، بل لضرورة الأمن القومي. فدارفور، بكل تحدياتها، تحتاج إلى نماذج كالتي تقدمها قريضة لتقول للعالم: «هنا شعب يستحق أن يُمنَح فرصة، ويستحق أن يُسمَع صوته، ويستحق أن يُبنى سلامه بيديه».
قريضة اليوم ليست مجرد محلية؛ إنها شاهد حي على أن المجتمع، حين يتماسك، يصبح أقوى من الحرب، وأقدر على رسم الطريق إلى الغد. وما تحتاجه ليس سوى أن تمتد إليها يدٌ تدعم لا يدٌ تُذكّرها بجراحها القديمة.
إن الاستثمار في قريضة هو استثمار في مستقبل دارفور بأكملها. فهنا وُلدت معادلة النجاح: مزارع يحترم مسار الراعي، وراعٍ يحمي مزرعة جاره، ومجتمع يضع الإنسان قبل السلاح. وما لم نحمِ هذا النموذج، سنكون كمن يهدم آخر الجسور المتبقية بين الناس.
قريضة… القرية التي رفضت أن تتشبه بخراب الحرب، وقررت أن تبقى مرآة لكل ما يمكن أن يكون عليه دارفور حين تتصالح مع نفسها. إنها فرصة، بل رسالة، بأن السلام ليس شعاراً يُرفع في المهرجانات… بل ممارسة يومية تبدأ من أصغر القرى.




