رأي

«الخبر حين يفقد بوصلته… يصبح سلاحاً ضد الحقيقة»

عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

 

 عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا

المشهد الإعلامي في الحرب السودانية بات حافلاً بما يكفي ليجعل المرء يعيد النظر في معنى الخبر ذاته: ما هو؟ ولمن يُكتب؟ ولأي غرض يُسيَّق؟ وفي اللحظة التي يتخلى فيها الإعلام عن دقته ونزاهته، يتحول كل منبر إلى عبء على الحقيقة لا سنداً لها، وإلى أداة تشويش لا وسيلة إيضاح.

ما بثته قناة الجزيرة مؤخراً حول «وصول نازحات من بابنوسة إلى الأبيض» يمثل مثالاً فجّاً لهذا الانحدار. ليس لأنه تقرير ضعيف فقط، بل لأنه تقرير يتحدى أبسط قواعد العقل والمنطق والجغرافيا. فبابنوسة مدينة خالية من المدنيين منذ نحو عامين، والطرق المؤدية منها إلى الأبيض ليست ممراً سريعاً، بل رحلة شاقة تستغرق أياماً حتى قبل الحرب. ومع ذلك، قُدمت الرواية على الشاشة بثقة عجيبة، كأنها حقيقة لا تقبل الجدل، رغم أنها معلّقة في الهواء بلا سند.

في مثل هذه اللحظات يدرك الناس أن الكلمة الخاطئة قد تكون أخطر من الرصاصة، وأن الإعلام غير المنضبط يمكن أن يضيف طبقة جديدة من الألم فوق جراح الحرب. هناك كلمات تُقال لترميم الوعي، وأخرى لتمزيقه؛ وما قيل في ذلك التقرير يندرج بوضوح في الفئة الثانية، لأنه يصطنع واقعاً غير موجود، ويقدِّم صورة مشوشة تُضاف إلى سلسلة الصور المضللة التي راكمتها بعض القنوات منذ اندلاع الحرب.

إن من يعرف جغرافيا غرب كردفان، ومن خبر تضاريسها ومسالكها، يدرك تماماً أن مثل هذه التقارير لا يمكن تصديقها. أهل الأرض لا يحتاجون إلى خرائط بحث ليدركوا أن ما قيل غير ممكن، وأن الرواية لا تصمد أمام أول سؤال. وهنا تكمن أزمة الإعلام حين ينفصل عن الميدان: يظن أنه قادر على صناعة الواقع، بينما الواقع الحقيقي لا يتغير، بل ينتظر فقط من ينقله بأمانة.

الخبر ليس مساحة لتزيين المواقف أو تجميل الروايات. هو مسؤولية ثقيلة، ولولا هذه المسؤولية لما سقطت مؤسسات إعلامية كبيرة عبر التاريخ لأنها تهاونت مرة واحدة في قول الحقيقة. إن ما نراه اليوم يذكرنا بأن بعض الأصوات العالية قد تخدع الكثيرين لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تنتصر على الحقيقة مهما بلغت الضوضاء.

وهناك جمل تستحق أن تقف في ثنايا هذا الحديث لأنها تعكس جوهر ما يجري:

الكلمة مسؤولية من يفرّط فيها يفرّط في شرف مهنته.

الحقيقة لا تحتاج إلى زخارف، وحدها الأكاذيب تبحث عن مساحيق لتبدو معقولة.

قد تخدع العالم كله، لكنك لن تخدع أهل الأرض الذين عاشوا الوقائع لحظة بلحظة.

إن السودان اليوم يدفع ثمن حرب قاسية، ولا يحتاج إلى حرب ثانية تشنها بعض الشاشات عليه. ما يحتاجه هو إعلام يجتهد ليعرف، لا إعلام يجتهد ليختلق. إعلام يضع الإنسان أولاً، لا الرواية الجاهزة. إعلام يعترف بخطئه إذا أخطأ، لا يركض في طريق التضليل حتى آخره.

وحتى يأتي ذلك اليوم، سيظل الناس يقفون في الضفة الأخرى من الشاشات، يميزون الحقيقة بأعينهم، ويفضحون الوهم حين يطل بوجهه، لأن الشعوب التي اختبرت الألم لا يمكن أن تُخدع بسهولة، مهما كثرت الأصوات ومهما تزينت الروايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!