رأي

قناة الجزيرة إعلام موجه وأداة للصراع

مها طبيق

 

مها طبيق 

يظهر الإعلام الموجّه كأخطر أدوات صناعة الفوضى وتشكيل الوعي على حساب الحقيقة . وفي قلب هذا المشهد ، تقف قناة الجزيرة كنموذج لتحوّل الإعلام من سلطة معرفة إلى ذراع نفوذ سياسي ، عبر خطاب يقوم على الاصطفاف بعيدا عن المهنية .

هذا التحول يعد نمط عمل متكامل يعيد إنتاج السرديات وفق أجندة سياسية واضحة ، بعد سقوط معايير الدقة وصعود خطاب الاصطفاف . التحقق من المعلومات قاعدة في أي مؤسسة صحفية . غير أن تغطية الجزيرة لعدة ملفات سودانية—ومنها تقارير النزوح في غرب كردفان—كشفت خللًا بنيويًا تتمثل في منح الأولوية للرواية التي تخدم الاصطفاف السياسي ، بينما يصبح التحقق مجرد خطوة اختيارية ثانوية ، بهذا تنتقل القناة من نقل الحدث إلى هندسة السرد بما يخدم فاعلين إقليميين محددين .

إدارت قناة الجزيرة محتوى بلا شفافية وبدلا من الاعتزار قامت بالحذف ، علما بان الممارسة المهنية تقتضي الاعتذار عند الخطأ . لكن الجزيرة تعتمد سياسة “الإخفاء الصامت” عبر حذف التقارير المضللة دون تفسير . هذه المقاربة تضعف الثقة بالجمهور ، وتدل على غياب الحوكمة التحريرية ، وترسّخ نموذجًا أقرب للتوجيه السياسي منه للإعلام .

الجزيرة تنظر إلى السودان بعيون نخبوية مركزية من خلال تضخيم السياسيين التقليديين ، وتهميش أصوات الهامش ، وتجاهل الوقائع الميدانية لصالح «متحدثين» بعيدين عن خطوط الصراع . وبهذا تساهم القناة—عن قصد أو نتيجة انحياز—في إعادة إنتاج منظومة الهيمنة التي عانى منها السودان لعقود .

الإعلام الموجَّه بجانب التحييز يصنع أثرًا مباشرًا على مسار الصراع مما يودي الي تعميق الانقسامات ، وتضخيم الخوف والعداء ، وخلق صور ذهنية زائفة حول القوة والشرعية ، وتزيد من إشعال النار لأنها تتيح منصة لخطابات تعبّوية . فالنتيجة إعلام يؤجج الأزمة بدل أن يفسّرها .

في بداية قناة الجزيرة ، اكتسبت ثقة الجمهور عبر المهنية ، وتنوع الآراء ، والجرأة في طرح الحقائق . لكن التحولات الإقليمية دفعت القناة نحو خطاب سياسي تعبوي ، وبناء قصص تخدم تموضعًا إقليميًا محددًا ، من خلال انتقائية حادة في تحديد “الجلاد” و“الضحية” ، وتغطيات تتحول إلى أدوات ضغط سياسي . لذلك تحولت المنصة إلى فاعل في الصراع أكثر منها وسيطًا إعلاميًا .

متطلبات الإعلام الحر يجب ان بعكس ما يُمارس اليوم لأن الإعلام المهني المعاصر يحتاج إلى هيكلة تحريرية مستقلة ، وفصل القرار السياسي عن غرف الأخبار ، وشفافية في معالجة الأخطاء ، ووصول متوازن لجميع الأطراف ، وتحليل قائم على بيانات بعيدا عن الانطباعات . وأي منصة لا تلتزم بهذه الأسس تصبح جزءًا من الصراع… لا رقيبًا عليه .

ٱذا أراد المجتمع أن يفقد مرآته ، اجعل الإعلام يفقد إستقلاله ، وبالتالي يصبح الإعلام الموجَّه أخطر من السلاح لأنه يصنع البيئة الذهنية التي تُطلق فيها الحروب . وبما أن الجزيرة تمتلك تأثيرًا واسعًا ، فإن مسؤوليتها مضاعفة ، وعليها إذا أرادت أن تكون قناة الحقيقة ، عليها ألا تتحول إلى أداة نفوذ ، لأنها تصبح حينها جزءًا من منظومة صناعة الخراب .

مها الهادي طبيق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!