
خضر كوة
السودان اليوم يعيش أزمة أعمق من كونها مجرد حرب مسلحة أو صراع على السلطة، إنها أزمة دولة لم تفهم منذ تأسيسها الأسئلة البسيطة: من نحن؟ وكيف نعيش معًا؟ هذا الفشل البنيوي في الإجابة على سؤال الهوية الوطنية الجامعة هو ما أنتج حروبًا متكررة، وانقلابات، وانفصالات، وانهيارًا متكررًا للمؤسسات، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى تهديد دائم، والثقافة إلى أداة صراع، والهامش الاجتماعي إلى وقود للحرب.
لقد حاول نموذج الدولة الأحادية المركزية إدارة مجتمع تعددي بعقلية الإقصاء والهيمنة، فجاءت النتيجة حروبًا أهلية، عسكرة للمجتمع، تفكك النسيج الوطني، وانهيار فكرة الدولة نفسها. مركزية السلطة، احتكار الهوية، الإقصاء الاقتصادي، وإدارة السياسة بالعنف العسكري، شكلت مزيجًا قاتلًا لم يعد قابلًا للاستمرار. وفي مواجهة هذا الفشل المتكرر، لا يكفي ترميم القديم، بل يتطلب الأمر إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تضع الشعب في مركزها، وتحترم تعدده، وتضمن العدالة والاستقرار.
أول عناصر الحل يكمن في الدولة المدنية اللامركزية الفيدرالية. يجب إعادة تقسيم السودان على أسس موضوعية وليس أيديولوجية، بحيث تكون الأقاليم فيدرالية حقيقية تمتلك سلطات تشريعية وإدارية ومالية مستقلة. هذا التقسيم يجب أن يعتمد على الجغرافيا، المصالح الاقتصادية المشتركة، الخصوصيات الثقافية والكثافة السكانية، ما يسمح بتحويل التنافس على السلطة المركزية إلى تنمية محلية وإدارة مسؤولة.
ثانيًا، الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه الهويات. لا دين رسمي، ولا ثقافة مهيمنة، ولا مواطن من الدرجة الثانية. حماية الجميع ومساواة الحقوق يجب أن تكون حجر الزاوية في أي مشروع وطني، حتى يشعر المواطن أن الدولة تمثله ولا تمثل فئة أو جهة بعينها.
ثالثًا، الجيش والمؤسسة العسكرية يجب أن تخضعان للسلطة المدنية المنتخبة. حل المليشيات وإعادة بناء الجيش على أسس مهنية ليس رفاهية، بل شرط ضروري لضمان الديمقراطية واستقرار الدولة. احتكار الدولة للعنف المشروع هو ضمانة للحفاظ على النظام، ومنع عودة الفوضى أو صعود قوى مسلحة خارج نطاق القانون.
رابعًا، فصل الدين عن السلطة أمر جوهري، دون محاربة الدين نفسه. السياسة مجال للمصالح العامة، لا للوصاية الأخلاقية أو العقائدية. الدين يبقى في المجتمع، بينما الدولة تظل محايدة، تمنع استخدام العقيدة كأداة للسيطرة السياسية أو الاستبعاد الاجتماعي.
خامسًا، العدالة الانتقالية ضرورة لا غنى عنها. لا إفلات من المحاسبة، ولا انتقام، ولا مساومة على الجرائم. العدالة يجب أن تكون شرطًا للمصالحة، وليس عائقًا أمامها. هذا يعيد الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لاستقرار دائم.
السودان أمام مفترق طرق تاريخي: إما إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تحترم تعدد الشعب، أو إعادة إنتاج الفشل بشكل أكثر عنفًا وتفككًا. هذه الحرب أيدٍ سودانية أشعلتها، وإيقافها مسؤولية سودانية أولًا قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة صراع للآخرين.
المشروع الوطني الحقيقي يولد من الشارع، لا من فوهة البندقية. وثلاث ثورات لم تكن صدفة، بل دليل على أن هذا الشعب لم يستسلم يومًا، وأن إرادته قادرة على بناء دولة مدنية عادلة، تحمي الجميع، وتستعيد كرامة الإنسان السوداني، بعيدًا عن الإقصاء والعسكرة والفشل المؤسسي المتكرر.




