رأي

التلويح بتمزيق السودان؛ قراءة في خطابات البرهان والعطا وناجي كوكتيل؛

عباس احمد السخي

 

 عباس أحمد السخي 

يمرّ السودان في واحدة من أكثر لحظاته التاريخية هشاشة، حيث تتقاطع الأزمة العسكرية مع الانهيار السياسي والتشظي المجتمعي، في ظلّ غياب مشروع وطني جامع قادر على إنقاذ الدولة من التفكك المحتمل. وبينما يحتفي السودانيون بتطورات ميدانية مهمّة في بابنوسة، وانكسار قوات الجيش المتمترسة هناك لما يزيد عن عامين، يظهر قادة المنظومة العسكرية الإخوانية ـ البرهان وياسر العطا ـ بطرح خطابات جديدة/قديمة ذات طابع تفكيكي لا يُمكن قراءتها بمعزل عن سياق الأزمة الوطنية الراهنة. وفي الخلفية يتردد صوت إعلامي مثل ناجي كوكتيل، ليكمل حلقة خطابية واحدة قوامها: العنصرية، وصرف الانتباه، والتلويح بتمزيق البلاد.

هذه القراءات المتناثرة تكشف عن استراتيجية خفية تتجاوز محاولات التغطية على الخسائر العسكرية، لتلامس مساحة أخطر تتعلق بإعادة تعريف الهوية السودانية على أسس عرقية وجهوية، والتمهيد لتقسيم السودان مرة أخرى، بعد أن خرج من صدمة انفصال جنوبه قبل سنوات قليلة.

 

أولاً: التغطية على الهزيمة بتحوير الأجندة – خطاب البرهان وتغيير العلم؛

يأتي حديث عبد الفتاح البرهان عن “تغيير علم السودان” واستعادة علم الاستقلال ذي الألوان الثلاثة في لحظة حساسة، تزامنت مع تداول الشارع السوداني لصور وتفاصيل انتصارات قوات الدعم السريع في بابنوسة، وفرار الجيش الذي ظل متحصناً في محيط الفرقة 22 منذ عامين. ورغم أنّ مطلب تغيير العلم يبدو في ظاهره بسيطاً أو رمزياً، إلا أنه في سياق الهزيمة العسكرية يتحول إلى رسالة صرف انتباه تستخدمها الأنظمة عادة حين تُمنى بخسارة كبرى.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في التوقيت فقط، بل في الدلالة العميقة لهذا الطرح. فإعادة فتح ملف الرموز الوطنية ـ العلم، النشيد، الهوية ـ في لحظة تفكك داخلي يُعدّ في حدّ ذاته توجهاً يشير إلى رغبة مستبطنة في إعادة تعريف السودان نفسه، وربما إعادة رسم حدوده ومن يعيش داخله. هذه الإشارات في خطاب البرهان لا يمكن فصلها عن موجة تحريضية آخذة في التصاعد، تُعيد إنتاج ثنائيات “من ينتمي للسودان ومن لا ينتمي إليه”، وكأن أزمة الدولة سببها هويتها لا فساد نخبتها.

إنّ اللعب بمجال الرموز الوطنية الآن ليس بريئاً، ولا يهدف لخلق إجماع جديد، بل لتأجيج انقسام قديم وإدارة غضب شعبي متصاعد عبر فتح معارك جانبية. فالبرهان، الذي يواجه تحديات ميدانية خانقة، يبحث في “العلم القديم” عن فرصة لنجاة سياسية، ولو عبر تفكيك وحدة رمزية تمثل آخر ما تبقى للسودانيين من جسد دولتهم.

ثانياً: ياسر العطا… إعادة تدوير خطاب الإخوان في دارفور

لا يقل خطاب ياسر العطا خطورة عن خطاب البرهان، لكنه أكثر فجاجة ووضوحاً. فالرجل، الذي يمثل أحد أركان المؤسسة العسكرية الإخوانية الفاشلة، خرج بما أسماه “نظرية الدعم السريع”، ومفادها أنّ القبائل غير العربية في دارفور – والتي يُطلق عليها إعلام الإخوان تعبير “الزرقة” – يجب أن تعود إلى موطنها الأصلي في غرب إفريقيا، بينما على “عرب غرب إفريقيا” العودة للاستقرار في السودان “البلد العربي”.

هذا الكلام عندما يصدر من رجل في موقع السلطة العسكرية يعيد إلى الواجهة خطاباً إخوانياً قديماً استخدم خلال حرب دارفور الأولى في تسعينيات القرن الماضي، حين روّجت أجهزة الإخوان لفكرة أن القبائل الإفريقية (الزرقة) تسعى لطرد القبائل العربية، وأنّ قبيلة “الزغاوة” تخطط لقيام دولة الزغاوة الكبرى التي تمتد إلى تشاد، فهي بالضرورة خالية من الاثنيات العربية. وقد رافقت تلك الحملة نشرات استخباراتية موّلتها وتبنتها الحركة الإسلامية، بغرض زرع شقاق إثني عميق وفصل المكونات الدارفورية عن بعضها البعض.

إن إعادة إنتاج هذا الخطاب الآن ليس صدفة، بل يعكس نية استراتيجية لصناعة شرعية قتالية جديدة للجيش، قائمة على إثارة مخاوف الهوية، لا على مشروع وطني جامع. كما يهدف إلى نقل الصراع من كونه صراعاً على السلطة يقوده الاخوان المسلمين ضد قوات الدعم السريع، إلى نزاع أهلـي عرقي يمكن استخدامه لإعادة تشكيل الخارطة الاجتماعية والسياسية في السودان.

كما أن الأحاديث التي يتناول فيها العطا الانتماء العرقي والجغرافي للسودانيين تشكّل تأسيساً لفكرة الإقصاء القومي، وهي خطوة معروفة في كل الدول التي تتجه نحو التفكك، من البلقان إلى رواندا. حين يبدأ قادة الجيوش في تعريف “من هو السوداني ومن ليس كذلك” فإنّ الإشارة تكون واضحة: يوجد مشروع تقسيم يتخفى في ثياب الهوية.

ثالثاً: ناجي كوكتيل… تغيير الاسم كمقدمة لتغيير الجغرافيا

في السياق ذاته، يطلّ الإعلامي ناجي كوكتيل بفكرة تبدو للوهلة الأولى غرائبية، لكن دلالتها خطيرة: تغيير اسم “السودان” لأنه مرتبط – حسب قوله – بالدلالة الإفريقية “السوداء”. هذا النوع من الطرح ليس مجرد نزوة إعلامية، بل جزء من موجة خطابية أوسع تحاول إعادة صياغة الوعي الجمعي بما يتناسب مع اتجاهات تفكيكية داخل الدولة.

فالحديث عن تغيير الاسم يرتبط مباشرة بإعادة تعريف الهوية، وإعادة تعريف الهوية في لحظة صراع مسلح يُعتبر خطوة تأسيسية في مشروع الانقسام. ولعلّ أخطر ما في هذه الفكرة هو أنها تتقاطع تماماً مع خطاب العطا والبرهان، ومع الإرث العنصري الذي غذّته الحركة الإسلامية لعقود: السودان ليس بلداً إفريقياً، بل “بلد عربي يجب تنقيته” من انتماءات أخرى.

بهذا المعنى، يصبح طرح تغيير اسم السودان ليس شطحة إعلامية بل حلقة ثالثة في مشروع متكامل:

• تغيير العلم (رمزية الدولة)

• تحديد من ينتمي إليها عرقياً

• وتغيير اسمها وهويتها العامة

وهي خطوات تمهّد ـ تاريخياً ـ إلى تغيير شكل الدولة نفسها وربما إعادة تقسيمها.

رابعاً: بين الخطابات الثلاثة… خيط واحد ورغبة واحدة

رغم اختلاف المواقع – قائد عام، ونائب القائد العام، وناشط إعلامي اخواني جهادي– إلا أنّ خطابات البرهان والعطا وناجي كوكتيل تتصل بحبلين متينين:

1. الحبل الأول: العنصرية المؤسسية

وهي عنصرية ليست عابرة أو انفعالية، بل ممتدة في بنية الخطاب الإخواني القديم الذي يُعيد إنتاجه قادة الجيش اليوم. هذا الخطاب يهدف إلى شيطنة مجموعات بعينها، وإعادة هندسة الانتماء الوطني بحيث يصبح امتلاك “الحق في البقاء” مرتبطاً بالهوية العرقية أو اللغوية.

2. الحبل الثاني: النية المضمرة لإعادة إنتاج سيناريوهات التقسيم

من تغيير الرموز (العلم)، إلى التشكيك في انتماء مجموعات إثنية، إلى البحث عن اسم جديد للبلاد… كلها خطوات متتابعة لا يخطوها إلا مشروع يريد تمزيق الدولة عمداً، سواء كان ذلك عبر انفصال جديد، أو عبر صناعة كانتونات عرقية متصارعة، أو عبر فرض صيغة حكم تستند إلى إقصاء نصف سكان البلاد.

 

خامساً: أهمية الوحدة على أسس جديدة

وسط هذه الفوضى الأخلاقية والسياسية، يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية ضرورة وجودية. لكن الوحدة المطلوبة ليست تلك “الوحدة القسرية” التي فرضتها الأنظمة الشمولية، بل وحدة تقوم على أسس جديدة:

• الاعتراف بتنوع السودان العرقي والثقافي بوصفه مصدر قوة لا تهديد.

• بناء دولة المواطنة التي لا تُعرّف المواطن بناءً على أصله، بل على حقوقه وواجباته.

• إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والأمنية بحيث لا تكون أداة لهيمنة عرق أو أيديولوجيا.

• معالجة إرث الحروب والإبادة عبر مسار عدالة انتقالية حقيقية.

إن الحفاظ على السودان اليوم لا يتم عبر الأعلام ولا الأسماء ولا الشعارات، بل عبر إعادة تأسيس الدولة على مبدأ شراكة متساوية بين كل مكوناته، وإغلاق الباب نهائياً أمام الخطابات التي تريد تحويل الصراع السياسي إلى صراع وجودي بين السودانيين أنفسهم.

اخيراً؛

إنّ خطابات البرهان والعطا وناجي كوكتيل ليست مجرد تصريحات عابرة، بل جزء من منظومة تفكير تعمل على إعادة تشكيل هوية السودان وطبيعة الدولة بطرق تهدد بتفكيك ما تبقى من وحدته. وعندما تتزامن هذه الخطابات مع خسائر عسكرية وانهيار سياسي، فإن الدلالة الأخطر هي أن هناك من يرى في التمزيق خياراً، وفي العنصرية وسيلة، وفي تغيير الرموز والاسم مدخلاً لإعادة رسم خريطة البلاد.

المطلوب اليوم ليس فقط كشف هذه الخطابات، بل مواجهتها بمشروع وطني جامع ينقذ ما تبقى من السودان. فالدولة لا تُبنى على الإقصاء، ولا تستمر على الكراهية، ولا تتماسك عبر تشويه هوية شعبها، بل تستمد قوتها من وحدة حقيقية قائمة على العدالة والاحترام والمشاركة المتساوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!