رأي

رحيل الناظر عبدالقادر منعم منصور… القامة التي وثّقت حضورها في سجل الخلود

طلب الختيم المحامي

 

الاستاذ طلب الختيم المحامي 

الموت حق لا يُستثنى منه أحد، لا نبيّ مرسل ولا زعيم مبجّل ولا عالم مفعم بالمعرفة؛ قال تعالى:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
وفي دفتر التاريخ، يظل العظماء هم من يرصّعون المشهد الأخير من حياتهم بأبهى مواقف الشجاعة والثبات.

رحل الناظر عبدالقادر منعم منصور، ناظر عموم دار حمر، الرجل الذي اختلف الناس حول آرائه في القضايا الوطنية والاجتماعية، لكنهم أجمعوا في نهاية المطاف على عظمة الموقف الذي ختم به مسيرته. فقد ودّع الدنيا واقفًا شامخًا كما عاش، رابط الجأش في زمنٍ تاه فيه اليقين بين ضجيج الفتن وصخب السلاح.

كان الناظر عبدالقادر منعم مثالاً للاتزان الأخلاقي في زمن الاضطراب. اختار موقفه بوعيٍ ومسؤولية، فوقف إلى جانب الجيش إيمانًا منه بأن ذلك هو طريقه في حفظ ما تبقى من توازن الوطن والمجتمع. وعندما اقتربت قوات الدعم السريع من مدينة النهود، وارتبك الكثيرون وفرّ بعض مناصري الجيش خوفًا من المجهول، أبى هو أن يغادر. رفض الهروب، وفضّل أن يواجه مصيره بشجاعة، مُسطّرًا مشهدًا نادرًا في زمن الانكسارات.

في سجل التاريخ، لا تُقاس عظمة الرجال بما يملكون، بل بما يصنعون من مواقف تبقى بعدهم. والناظر عبدالقادر منعم صنع موقفًا يليق بقائدٍ ظلّ لأكثر من خمسة عقود ركيزةً اجتماعية وسياسية في دار حمر وكردفان، وحارسًا متيقظًا لتوازنها الداخلي في وجه العواصف التي تعاقبت على السودان.
كان يدرك أن القائد الحقيقي لا يُقاس بحجم سلطته، بل بقدرته على حماية الناس من الانقسام وصيانة كرامتهم في زمن الخطر.

برحيله، يفقد السودان أحد أعمدة حكمته الاجتماعية، في زمنٍ تتناقص فيه الأصوات العاقلة وتغيب فيه مرجعية الزعامة التقليدية التي كانت تحفظ للمجتمع توازنه. وسيمتد أثر هذا الغياب إلى ما هو أبعد من دار حمر، لأن مثل هذه القامات كانت تمثّل صمّام أمان في وجه التصدّع الوطني العام.

لقد كان الناظر عبدالقادر منعم مرساة قيادةٍ راسخة، حافظت على سفينة منطقته من الغرق وسط أمواجٍ متلاطمة من الصراعات. وحين ترجّل، ترك وراءه إرثًا من المواقف النبيلة التي ستبقى شاهدةً على أن الشجاعة الحقيقية ليست في حمل السلاح، بل في الثبات على المبدأ.

رحل القائد الكبير، لكنه لم يغب.
سيظل حاضرًا في ذاكرة وطنٍ يبحث عن رموزٍ تشبهه في نقائها وصلابتها.
رحم الله الناظر عبدالقادر منعم منصور، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وجميع السودانيين الصبر والسلوان.

وداعًا أيها القائد العظيم… فقد كنت آخر من تبقى من زمن الكبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!