
منعم سليمان
لا أحد يعرف من أين يأتي البرهان بكل هذا اليقين حين يطلّ على الكاميرات ليقول عبارته المحفوظة: «لا وجود للإخوان داخل الجيش أو الحكومة». الرجل يتحدث وكأنه آخر من تبقّى من طائفةٍ لا تُخطئ، لكن الوقائع تقول غير ذلك.
لن نذهب بعيداً مع البرهان فليخبرنا: إلى أي تنظيم ينتمي إبراهيم جابر؟ الذي دخل الكلية الحربية بترشيح مباشر من الحركة الإسلامية، وكان طالباً في جامعة الخرطوم يقضي خميسه وجمعته بين مسجد الإخوان وعصاه المتكئة على كتفه، يصنع لنفسه مكاناً داخل الجماعة حتى تخرّج. عمل لاحقاً ضمن منظومة الصناعات الحربية في ماليزيا لسنوات طويلة، وكانت تربطه علاقات وثيقة بشخصيات محسوبة على الصف الإسلامي داخل النظام السابق، وكانت توكل إليه مهام حساسة، من أسرار التصنيع الحربي وحتى أسرار البيوت، وقد كان جليساً Baby sitter للطالب “أواب علي حسن البشير” في دراسته بماليزيا!
ثم قصة اعتدائه هناك على السفير نادر دون أن يمسّه عقاب، لأن ظهره كان محمياً بمنظومة النفوذ ذاتها.
وحين عاد إلى السودان، ظهر حوله الطاقم الإسلامي نفسه: اللواء أبو عبيدة محمد دين – نسيب نافع – الذي شغل منصب قائد الحرس الخاص لعلي عثمان، ومسؤول وحدة التنظيم داخل القصر الجمهوري، ويعمل اليوم في الاستخبارات وكأن شيئاً لم يتغير. فهل هؤلاء أيضاً «لا علاقة لهم بالإخوان»؟
ثم نصل إلى جهاز الأمن: من هو أحمد إبراهيم مفضل سوى أحد أبناء المدرسة ذاتها؟ ومن هو نائبه اللواء اللبيب؟ ذلك الذي نشأ داخل الحركة الإسلامية منذ شبابه، وتدرّج في أجهزتها الشعبية، وتتلمذ على يد صلاح قوش، قبل أن يصبح اليوم الرجل الثاني في أهم جهاز أمني في البلاد. ومع ذلك يظهر البرهان على الشاشة متسائلاً: «أين هم الإخوان؟»
الإجابة: تعرفهم جيداً ، وهم حولك أيها الكذاب… وفي مكاتبك… وتحت قيادتك، وهذه عينة صغيرة – جداً – منهم .
لكن البرهان، وقد أصبح مجرد بيدق في لعبة أكبر منه، لا يستطيع الاعتراف بأن مشروع الحركة الإسلامية هو من يحرّك الجيش ويوجّه مسار الحرب، ويحدد من يُحاسَب ومن يُترك، ومن يدخل المنظومة ومن يُقصى. لا يستطيع لأنه جزء من تلك المنظومة، ولأنه يدرك أن سلطته قائمة على دعمهم لا على نصوص الدستور.
لذلك يختبئ خلف شعارات «الحل العسكري» و«نزع السلاح» و«لا وجود للإخوان»، بينما الحقيقة واضحة كالرصاص: الجيش مخترق حتى النخاع، والحكومة ظل شاحب للمشروع الإخواني.
والبرهان؟
رجل يقف في منتصف المشهد، قلبه معهم وعينه على السلطة؛ يحدّق في الكاميرا بجدية كاملة.. وينكر وجود ظله.



