
نجم الدين دريسة
الناس سواسية في الكرامة، ولا يعلو انتماءٌ على حقّ الإنسان في وطنٍ عادل
القومية كشعار… والقبيلة كحقيقة حاكمة
منذ الاستقلال، ظل خطاب القومية والوحدة الوطنية يتردد في المنابر السياسية كما لو كان تعويذةً تطرد الفتنة وتؤسس للتماسك. غير أن هذا الخطاب، على كثرة تداوله، لم يتحول إلى بنية فكرية راسخة تضبط الممارسة السياسية وتعيد تشكيل الوعي الجمعي. فبينما نرفع راية الوطن الواحد، تتحرك كثير من قراراتنا بدوافع قبلية وعشائرية ومناطقية، كأن القومية مجرد لافتة، والقبيلة هي الفاعل الحقيقي خلف الستار.
هذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست في غياب الشعارات، بل في انفصالها عن السلوك. فالقومية لا تُقاس بارتفاع الصوت في الحديث عن الوطن، بل بمدى استعدادنا لتقديم المصلحة العامة على الولاءات الضيقة. وحين يتقدم الانتماء الأولي – الدم، الجهة، العشيرة – على العقد الوطني، فإن الدولة تصبح إطارًا هشًا فوق بنية اجتماعية لم تُحسم علاقتها بنفسها بعد.
المواطنة: الفكرة التي لم تترسخ
المواطنة في جوهرها مفهوم إنساني يتجاوز الانتماءات الضيقة. فالإنسان لم يختر قبيلته، ولا لونه، ولا طبقته الاجتماعية، بل وُلد داخل سياق محدد دون إرادة مسبقة. ولذلك فإن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المساواة القانونية والأخلاقية بين المواطنين، لا على تدرّجهم في سلالم القرابة والنسب.
غير أن هذا التحول المفاهيمي لم يكتمل في التجربة السودانية. فما تزال الهوية الوطنية عند كثيرين هوية ثانوية، تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند التنافس. ومع كل أزمة سياسية، تتكشف هشاشة الفكرة؛ فبدل الاحتكام إلى مؤسسات وقوانين جامعة، يجري الاصطفاف وفق خطوط إثنية أو جهوية، ويُعاد تعريف الصراع بلغة “نحن” و”هم”.
إن أي سلوك – فعلاً كان أم رد فعل – يُبنى على هذا المنطق يظل سلوكًا عنصريًا، حتى وإن اتخذ لباس المظلومية أو الدفاع عن الذات. لأن المواطنة لا تُختزل في رد الاعتبار لجماعة بعينها، بل في بناء ميزان عدالة شامل يحمي الجميع.
الأحزاب… حين تضيق رحابة الوطن
المؤلم أن الكيانات السياسية والمدنية، التي يُفترض أن تكون مدارس للوطنية، ليست بمنأى عن هذه اللوثة. فكثير من الأحزاب على اتساع شعاراتها تضيق بالاختلاف الداخلي، فتتحول خلافاتها من صراع برامج إلى صراع مواقع، ومن تباين رؤى إلى نزاعات ذات أبعاد جهوية أو شخصية.
عندما تضيق الجغرافيا السياسية، نرتد إلى الإثنية. وعندما تضيق الإثنية، نغرق في القبيلة. ثم العشيرة، فالأفخاذ، فأبناء العمومة. دوائر انكماش متتالية تجعل الوطن – بكل اتساعه – رهينة حسابات ضيقة. وهكذا يصبح الصراع دائمًا ومريرًا، لأن جذوره لا تُعالج، بل يُعاد إنتاجها في كل دورة سياسية جديدة.
تجربة بولاد: صراع الفكرة والدم
تجربة داؤد يحيى بولاد تمثل إحدى اللحظات الكاشفة في هذا السياق. فقد كان من الكوادر البارزة في الحركة الإسلامية، لكنه حين اكتشف – بحسب ما رُوي عنه – أن روابط الدم والهوية الإثنية أثقل وزنًا من الروابط الفكرية داخل التنظيم، غادر إلى معسكر آخر بحثًا عن معنى مختلف للانتماء.
بغض النظر عن تقييم تلك الخطوة سياسيًا، فإن دلالتها الفكرية عميقة: حين تعجز الفكرة عن تجاوز الانتماء الأولي، تتراجع أمامه. وحين لا يُدار هذا الصراع بوعي واحتواء، يتحول إلى مأساة دامية. إن اغتيال المختلف لا يلغي الفكرة، بل يضاعف السؤال حول طبيعة البنية التي لم تحتمل التنوع داخلها.
التنوع السوداني: فرصة ضائعة أم مشروع مؤجل؟
السودان ليس بلدًا متجانسًا، بل فضاءً واسعًا لتعدد ثقافي وإثني وديني فريد. هذه الحقيقة يمكن أن تكون مصدر قوة، إذا أُحسن إدارتها ضمن مشروع دولة مدنية تعترف بالتنوع وتحوله إلى رافعة تنموية وثقافية. لكنها تصبح عبئًا حين يُنظر إليها من زاوية السيطرة أو الإقصاء.
أي مشروع سياسي لا يراعي هذا التكييف المفاهيمي محكوم عليه بالفشل، مهما بدا قويًا في لحظته الأولى. لأن التعدد لا يمكن محوه بالقوانين، ولا بالقوة، ولا بالشعارات. الدولة التي لا تعبّر عن جميع مكوناتها تزرع في داخلها بذور تفككها.
العقل القومي… الحاجة إلى اختراق أخلاقي
جوهر الأزمة إذن ليس في وجود قبائل أو إثنيات، بل في غياب عقل قومي قادر على إدارتها ضمن رؤية جامعة. العقل القومي ليس إنكارًا للهويات، بل إعادة ترتيبها في سلم القيم، بحيث تتقدم الهوية الوطنية بوصفها الإطار الأوسع الذي يحمي الجميع.
هذا يتطلب اختراقًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: شجاعة في نقد الذات، وجرأة في الاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من صراعاتنا تغذيه حسابات ضيقة وتفكير ذاتوي انتهازي. فالوطن لا يضيق بأهله، لكنه يضيق حين تتقلص أخلاق السياسة وتغيب روح المسؤولية.
إن معركة بناء الدولة ليست عسكرية فحسب، ولا تفاوضية فقط، بل هي معركة وعي قبل كل شيء. وبدون إعادة تعريف الانتماء على أساس المواطنة والعدل، ستظل الحروب العبثية تتكرر بأسماء جديدة.
بين ضيق الأخلاق وسعة الوطن
السودان لا تنقصه المساحة ولا الموارد ولا التنوع. ما ينقصه هو تحويل القومية من شعار إلى التزام، ومن خطاب إلى ممارسة. فالدولة لا تُبنى على عصبية، ولا تُدار بمنطق الغنيمة، بل على عقد اجتماعي عادل يحترم الإنسان لكونه إنسانًا، لا لكونه ابن قبيلة بعينها.
لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها
ولكن أخلاقَ الرجالِ تضيقُ




