رأي

بين التعهدات والنهب: مليارات السودان المفقودة في عالم المؤتمرات الدولية وإعفاء الديون (2)

عماد ابكر جدو

 

عماد أبكر جدو 

في الوقت الذي تعهد فيه المجتمع الدولي بتقديم مليارات الدولارات لإنقاذ السودان من الانهيار، كانت هناك قصة موازية أكثر تعقيداً وأشد إيلاماً .مليارات اخري وربما عشرات المليارات. غادرت البلاد بالفعل خلال العقود الماضية واستقرت في الخارج بعيد عن متناول الدولة. 

هذا التناقض بين “أموال تُمنح” و”أموال مُنهوبة” يكشف مفارقة جوهرية في الحالة السودانية:

العالم يحاول إنقاذ اقتصاد تم تفريغه مسبقاً من موارده.

أولاً: اقتصاد يُعاد بناؤه… من الخارج

منذ سقوط النظام السابق في 2019، تحركت القوى الدولية بسرعة لإعادة دمج السودان في النظام المالي العالمي.

في مؤتمر باريس 2021، تم فتح الباب أمام:

إعفاء ديون السودان التي تجاوزت 50 مليار دولار.

تسوية متأخرات السودان مع صندوق النقد والبنك الدولي

إطلاق مسار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)

بل إن بعض الدول تعهدت بإلغاء ديونها بالكامل، في خطوة اعتُبرت بداية “إعادة تشغيل” الاقتصاد السوداني .

لكن هذا المسار توقف لاحقاً مع الانقلاب ثم الحرب.

ثانياً: مؤتمرات الحرب… مليارات إنسانية محدودة

مع اندلاع حرب أبريل 2023، تحولت المؤتمرات من دعم التحول الديمقراطي إلى إغاثة إنسانية عاجلة.

مؤتمر باريس 2024

جمع أكثر من 2 مليار يورو (حوالي 2.1 مليار دولار)

بمشاركة 58 دولة ومنظمات دولية

مساهمات فردية

الإمارات: 100 مليون دولار

وزارة الخارجية الإماراتية

الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا: مئات الملايين

لكن هذه الأموال مخصصة للإغاثة، وليس لإعادة بناء الاقتصاد.

ثالثاً: المفارقة الكبرى — أموال تُطلب… وأخرى مفقودة

إذا وضعنا الأرقام جنباً إلى جنب، تتضح الصورة:

القيمة التقريبية

تعهدات مؤتمر باريس 2024

2.1 مليار دولار

إعفاء الديون المتوقع (HIPC)

50 مليار دولار

التقديرات غير الرسمية للأموال المنهوبة (من 10 الي 30مليار دولار ) والمفارقة هي الأموال التي

خرجت من السودان قد تساوي أو تتجاوز .كل ما يسعى المجتمع الدولي لتقديمه.

كيف خرجت هذه الأموال؟

التحليل الاقتصادي يشير إلى ثلاث قنوات رئيسية:

. الذهب: الاقتصاد الموازي

السودان أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، لكن:

جزء كبير من الإنتاج لا يدخل القنوات الرسمية

يتم تهريبه وبيعه في الخارج

هذا القطاع وحده يمثل “نزيفاً دائماً” للعملة الصعبة.

و الشبكات المالية العابرة للحدود

شركات واجهة

حسابات بنكية متعددة

تحويلات عبر وسطاء

نظام مصمم لتفادي التتبع القانوني.

و تحويل الثروة إلى أصول

عقارات في الخارج

استثمارات تجارية

شركات دولية

ما يجعل استرداد الأموال شبه مستحيل دون تعاون دولي معقد.

رغم المؤتمرات، يواجه التمويل الدولي ثلاث مشكلات وهي :

اولا فجوة التمويل حتى بعد مؤتمر باريس مازال السودان يواجه واحدة

من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً .

ثانيا الطابع الإنساني لا التنموي ان

الأموال تُصرف على الغذاء والإغاثة

ولا تُستثمر في الاقتصاد.

ثالثا غياب الدولة

بدون حكومة مستقرة لا يمكن تنفيذ برامج اقتصادية ولا استعادة الأموال المنهوبة.وباجراء مقارنة

أعمق هناك ثلاث طبقات للأزمة الاقتصادية.

الطبقة الأولى. الديون المقدرة حوالي(50مليار دولار )

تمت معالجتها جزئياً عبر الإعفاء

الطبقة الثانية: المساعدات

بضعة مليارات مؤقتة ومشروطة .

الطبقة الثالثة (الأخطر): الأموال المنهوبة .عشرات المليارات

خارج النظام غير خاضعة للمساءلة

“الاقتصاد المفقود”.

السؤال الذي لا يُطرح دولياً

المجتمع الدولي يركز على وقف الحرب وتقديم المساعدات وإعادة

هيكلة الديون.

لكن نادراً ما يُطرح السؤال التالي.

ماذا عن الأموال التي خرجت من السودان؟ استعادتها قد تقلل الحاجة للمساعدات وتعيد التوازن للعملة وتمول إعادة الإعمار.

ان السودان بين نظامين ماليين

السودان اليوم يعيش بين نظامين:

نظام رسمي مفلس

يعتمد على المساعدات.ينتظر إعفاء الديون. نظام غير رسمي ثري يمتلك اصولأ ضخمة يعمل خارج الدولة.

في عالم مثالي، كانت المليارات التي خرجت من السودان كفيلة ببناء البنية التحتية. ودعم العملة. ومنع الانهيار الاقتصادي.لكن الواقع مختلف اليوم.

بينما يجتمع العالم في باريس ولندن وبرلين لجمع مليارات لإنقاذ السودان،تبقي الحقيقة الأكثر قسوة. السودان لا يعاني فقط من نقص التمويل. بل من فقدان ثروته نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!