
سمية النور دهب – دبلن
في عالم السياسة السودانية، لا يبدو أن هناك من يجيد فن تضليل الجماهير كما يجيده قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. كل مقابلة، كل خطاب، كل تصريح، يتحول عنده إلى فرصة لإطلاق الأكاذيب والتلاعب بالحقائق وكأنها مهرجان للخيال السياسي، غير ملتفت إلى أن الشعب لم يعد يصدّق الورق المزين بالكلمات، بل الحقائق الماثلة على الأرض.
الأمس، في مقابلته مع قناتي العربية والحدث، لم يقدم البرهان خطة للحل، بل درساً متقناً في التضليل. أعلن بكل ثقة أن الحل للحرب “عسكري بالدرجة الأولى”، ثم تأتي الحلول الأخرى، متناسياً أن الجنود والمواطنين يقفون وجوههم نحو الموت والجوع والخراب، فيما هو يتباهى بخطط نظرية لا تغني ولا تسمن من جوع. وكأن الحرب مسألة لعبة شطرنج على طاولة، لا حياة حقيقية تُزهق يومياً في الفاشر، هجليج، كادوقلي، والدلنج.
أما محاولاته المستمرة لإخفاء العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية، فهي أشبه بمحاولة القطط إخفاء آثار أقدامها في الرمل. كل التحقيقات، كل الملفات، وكل الفيديوهات والشهادات تقول شيئاً واحداً: الولاء داخل الجيش ليس للوطن، بل للحركة نفسها. والبرهان، كعادته، يصرّ على تصوير نفسه حامياً للشرف والجندية، فيما الواقع ينطق بعكس ذلك. كما يقول المثل: “من يزرع الخداع يحصد العار”، وهذا ما ينطبق حرفياً على تصريحاته.
ولنقف عند طرف آخر من المسرحية العبثية: تغيير علم البلاد ليحل محل الحلول الحقيقية. أي عقلية هذه؟ أيمكن لعلم أن يملأ بطون الجنود الجائعة أو يحمي المدن من القصف؟ يبدو أن البرهان يعيش في عالم بديل، حيث خطاب الإعلام يفوق الواقع، وكلمات الكذب تحل محل العمل الحقيقي. كل معركة خاسرة، كل حامية سقطت، كل مدني أُهين، يبقى خلفه كابوس التصريحات التي لا أساس لها سوى الرغبة في خداع الرأي العام.
لقد أصبح الكذب عند البرهان أسلوب حياة، والتضليل سمة يومية. لكن الشعب السوداني لم يعد سهلاً على الخداع. الجنود والمواطنون يعرفون اليوم أن القيادة الحقيقية لا تُبنى على تصريحات جوفاء أو على ألعاب إعلامية، بل على فعل حقيقي، وحماية فعالة، وتقدير لما يعنيه أن تكون مسؤولاً عن أرواح البشر.
إنه لمن المضحك والمثير للسخرية أن قائد الجيش، الذي يفترض أنه يحمي البلاد، يقف أمام الكاميرات ليقنعنا بأن الحل العسكري كافٍ، وكأن المدن والجنود مجرد أوراق على لوحة يزيّنها بتصريحاته. الشعب شاهد، الجنود شاهدون، والحقائق على الأرض أعلى صوتاً من أي خطاب مفخخ بالكلمات.
البرهان يمكنه أن يستمر في هوايته في الكذب، ولكن الحقيقة واحدة: القيادة تتطلب الشجاعة، والمصداقية، والقدرة على التحرك في الوقت المناسب، وليس مجرد التلاعب بالكلمات والخداع الإعلامي. وكل من يعتقد أن الكلمات تكفي لتغطية الفشل سيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن الأرض أقوى من أي خطاب، وأن الشعب لا يُهزم بالكلمات، بل بالحقائق.




