رأي

رفع حظر تصدير السلاح إلى اثيوبيا يقلم مخالب سيد القط و القط 

بروفيسور ناصر ساتي

 

بروفيسور ناصر ساتي 

قلنا في المقالات السابقة إن مصر عاجزة عن كل شيء امام اثيوبيا. عجزت عن منع الملء الأول و الثاني و الثالث الرابع و الخامس. عجزت لأن المفاوض الاثيوبي لم يكن فقط أكثر حنكة في المباحثات بل لإنه كان يستند إلى حق مشروع تكفله لبلاده كل الاعراف الدولية بشأن المياه ، إضافة الى ذلك فإن اثيوبيا بعد أن استقلت لم يعترف برلمانها باي اتفاقيات مياه وقعها المستعمر فقد صرحت مرارا و تكرارا إنها غير ملتزمة بأي اتفاقيات هي ليست طرفا فيها. و لعمري إن هذا لموقف وطني ينم عن وعي عميق بحقوق بلادهم و مصالحها على نقيض موقف أول برلمان سوداني بعد إلاستقلال، فقد ارتكب خطيئة تصل إلى الخيانة العظمى ضد الوطن ، فقد اعترف بكل اتفاقيات المستعمر رغم ان البلاد كانت تحت نير الإستعمار فكان بإمكان البرلمان ان يرفضها بذات الحجة الاثيوبية و لكن ماذا نقول عن برلمان يحدد هوية الوطن قبل بناء الدولة فقد ذكر إسماعيل الأزهري في خطاب مشهور إنه مضطر عن إعلان الاصل العربي للسودان و من داخل ذلك النص الأعمى بدأت بذور الانفصال و الثورات تنبت في الهامش و من هنا دخلت الأيديولوجية التي اعمت البصيرة الوطنية، فقد منح البرلمان بذلك الخطاب الكارثي 

الأولوية لمصالح مصر و قضية فلسطين فكانت التضحية بكل مصالح السودان من أجل عروبة في بلد يشهد تنوعا و تعددا في اللغات و القوميات.

كانت المقدمة التاريخية اعلاه ضرورية لشرح لماذا عجزت مصر في تحقيق اي تنازلات من اثيوبيا في شأن سد النهضة. قد اعتمدت مصر على دولة إسمها السودان لم تزل أصلا في طور الشرنقة ،بجانب إنه بلد مثقل بحروبات بدأت قبل استقلاله فلم ينل استقرارا اقتصاديا و لا سياسيا يمكنه من بناء جيش يستطيع أن ينفذ المهام المصرية الموكلة إليه. ففتح جبهة مع دولة بحجم اثيوبيا يتطلب دولة قوية و مستقرة و اقتصاد قادر على تحمل تكلفة الحرب و هو امر لم يتفرغ له السودانيون بوضع مشروع وطني. إذا كانت مصر تستند إلى “حيطة مايلة”. نعم الجندي السوداني مشهور بالشجاعة و لكن الشجاعة وحدها لا تقاتل و الا لكان السودانيون قد نجحوا لصدت في تشتيت قوات العدو في ام دبيكرات و كرري حيث عاد المستعمر!.

اذا كانت مصر (قاطرة السودان) التي تلقت يوما الضوء الاخضر من ترمب في ضرب السد عجزت عن مجرد تهديد السد فما بالها اليوم و قد رفع ترمب نفسه الان حظر تصدير الاسلحة إلى اثيوبيا. إن توقيت رفع حظر تصدير السلاح إلى اثيوبيا له مغزى و هو ان استقرار اثيوبيا أصبح يمس الامن القومي الأمريكي. و من نافلة القول إن السلاح الأمريكي يدخل الان في خدمة حماية السد ليس فحسب بل يتم تفعيله لضرب كل يد تعبث بأمن القرن الإفريقي و على راسه اثيوبيا. فهذه رسالة امريكية لا تستطيع مصر غير ان تستوعبها جيدا فهي تعرف مضونها فكيف لا و هي تعتمد على أمريكا في قوت يومها فالقمح الأمريكي هو شريان حياتها و المساعدات الأمريكية هي عصب اقتصادها العسكري و الحربي.

و هل الموقف العسكري للسودان في النيل الازرق المتاخم لسد النهضة يسير في صالح مخلب القط المصري ؟ بالتأكيد لا إذ أن الاخبار هنا و هناك تتحدث حتى عن حصار محكم تفرضه قوات الدعم السريع على قوات مصرية هناك فلا الجيش السوداني قادر على ان يفك ذلك الحصار و لا الطيران المصري قادر على التحليق على مقربة من نطاق أمن السد ، فاثيوبيا لن تقف مكتوفة الأيدي تتفرج على أسراب الطائرات المصرية و هي تعبث بالقرب من سدها و هنا أيضا يمكن قراءة مدلول التوقيت بشأن رفع الحظر عن تصدير السلاح الأمريكي إلى اثيوبيا و هو سياق ليس ببعيد عن معلومات تشير إلى انسحاب مصري من الرباعية.

لكن بغض النظر عن ما ورد اعلاه هل مصر قادرة عسكريا على مواجهة اثيوبيا او تحديدا ضرب السد؟. بكل تأكيد الجيش المصري في ظل اقتصاد منهار يترنح ليس في وضع يسمح له بتحقيق حتى حسم عسكري على حفنة مقاتلين في سيناء فما بال الدخول مع دولة اثيوبيا التي طورت و بنت احدث جيش من حيث العدة و العتاد النوعي يوم ان فكرت في مشروع سد النهضة. إن أي قصف لسد النهضة سيقابله الإثيوبيون بقصف للسد العالي و هو سد أكل الدهر عليه و شرب و انتهى عمره الافتراضي و لن يكلف الاحباش غير اسماك قرموط! و السد العالي يمثل شريان الحياة في مصر فأي ضربة له يعني انتهاء الحياة في مصر كلها، اضف الى ذلك فإن ٧٠ مليار متر مكعب من المياه القادمة من سد النهضة ستضاف إلى كمية مياه السد العالي مما يعني ظهور لافتة في شمال الوادي مكتوب عليها “هنا كان بلد إسمه مصر”. مصر تعلم إنها غير قادرة على الدخول في مواجهات عسكرية. وإن طبول الحرب الإعلامية ليست أكثر من سياسة درامية مصرية لتخدير للشارع المصري لحفظ ماء وجه الدولة بعد أن أنجز الاحباش سد النهضة عينك يا تاجر!. اذا فإن توقيت رفع حظر تصدير السلاح إلى اثيوبيا يقلم مخالب سيد القط و القط!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!