
أدهم الضهيب
لقد كانت سهول كردفان ودارفور، لعقود خلت، مسرحًا لحياة تتدفق بالإيقاع المترحل، حيث تشكلت ثقافة الرعاة والرحّل لتصبح واحدة من أغنى المكنونات الثقافية للسودان. هذه الثقافة، التي تتجلى في أصوات “الكاتم” و”المردوم” و”العريج”، ليست مجرد أغانٍ؛ بل هي مدونة حية لـنضالات يومية من أجل البقاء، والحرية، وتأكيد الهوية الأصيلة.
إن استهداف أبناء هذه الفئة، ورموزهم الفنية، ليس مجرد عنف فردي أو سياسي، بل هو اغتيال ممنهج للذاكرة والموروث الإنساني البدوي الذي تغنوا به. عندما يُقتل فنان يحمل على صوته تاريخ أمة، فالمستهدف هو روح الأمة ذاتها.
إبراهيم إدريس: صوت النضال الخالد
بفقدان الفنان المناضل إبراهيم إدريس غدرًا على يد جيش الإرهابيين، تفقد البادية صوتها الأعمق. إدريس، “فنان الرعاة” بامتياز، لم يكن مطربًا عابرًا؛ بل كان حاملًا لقضية المهمشين من رعاة الإبل والأبقار. أغانيه مثل “الكاتم”، و”العريج”، و”أم دقينة”، و”القرجوم” هي أكثر من مجرد لحن؛ هي بيانات سياسية وثقافية بلغة الأرض، تُنادي بحق الرحّل في الوجود والاعتراف.
لقد كان إدريس، حتى في أحلك الظروف، فنان ثورة 15 أبريل. صوته يمثل خط الدفاع الأول عن هذا التراث. من قتله يريد أن يقتل تاريخنا، أن يصمت “الكاتم” الذي يحكي عن قوة التحمل وجمال الصحراء. لكن رسالة نضالاتنا المروية بأصالة اللحن الدارفوري والكردفاني ستبقى خالدة.
🌹 شهيدة البادية شادن: الرسالة التي لا تموت
وفي ذات السياق النضالي، نذكر الفنانة شهيدة البادية شادن، التي تم الغدر بها في إحدى ليالي حرب 15 أبريل على يد من يسعون لمحاربة ثقافتنا. شادن، صاحبة “رسالة الرحّل”، هي التجسيد الأنثوي لهذا الموروث العظيم. لقد التقطت من غناء الرعاة أشكالهم المتفردة مثل المردوم والعريج والكاتم، مقدمةً تراث قبائل البقارة والإبالة. هذا التراث، الذي يتفرد بلحنه الأصيل وصوته البدوي، يصبح في صوتها دليلاً على ثراء وتماسك هذه الثقافة.
لقد أكدت جريمة اغتيالها أن استهدافهم كان استهدافًا مباشرًا لـالثقافة والموروثات. شادن وإبراهيم إدريس يمثلان جسرًا بين الماضي والحاضر؛ هما ليسا مجرد فنانين، بل هما حُرّاس الهوية والإرث الإنساني البدوي.
🛑 قتل الثقافة عبر استهداف رموزها: لكن رسالتهم باقية
إن ما يحدث اليوم في كردفان ودارفور هو أبعد من صراع قبلي أو عسكري؛ إنه استهداف للثقافة والموروثات التي تغنى بها إدريس وشادن. عندما يُسكت صوت فنان، وعندما يتم تشريد من يملك هذه الثقافة في دمه، فإننا أمام محاولة يائسة لـتجفيف الينبوع الثقافي لأمة بأكملها.
علينا أن ندرك أن صون هذا الفن، وحماية أبناء الرعاة والرحّل، هو صون لجزء أصيل من الوجدان السوداني. من قتل إبراهيم إدريس و شادن، يريد قتل ثقافتنا وإرثنا ونضالاتنا.
لكن رسالتهم باقية: ليكن صوت إدريس صرخة مدوية لا تموت، وليكن فن شادن دليلاً على أن نضال الرحّل باقٍ أبد الدهر، وأن إيقاع “الكاتم” لن يتوقف أبدًا عن الصدى في سهول السودان، مهما حاول جيش الإرهابيين محاربة ثقافاتنا وإرثنا الإنساني البدوي.
أدهم الضهيب




