
نجم الدين دريسة
يمضي كثير من النشطاء السياسيين والمدنيين في وهم قاتل حين يحاولون فصل الجيش عن الحركة الإسلاموية، أو ما يُعرف بالكيزان والإخوان المسلمين. هذه المقاربة السطحية ليست مجرد خطأ تحليلي، بل جريمة معرفية بحق الحقيقة، فهي تغطي على عقود من الانحياز الإيديولوجي العميق داخل المؤسسة العسكرية. فالجيش السوداني منذ انقلاب التسعينيات لم يكن مجرد قوة دفاعية، بل امتداد مباشر لمنظومة الإسلام السياسي، حيث كانت الكلية الحربية منذ عام ألف وتسعمائة وتسعين تفرخ ضباطاً مرتبطين بالكيزان، بينما جرى التخلص من أي ضباط يعارضون الأيديولوجيا عبر الإحالة للصالح العام، لتصبح القيادة العليا كيزانية بالكامل، في حين بقيت قاعدة الجيش من ضباط الصف والجنود من هوامش السودان عاجزة عن أي تأثير حقيقي، مجرد أدوات تنفيذ لأجندة نخبة ضيقة.
أي محاولة لتقديم الجيش كمؤسسة مستقلة عن الإسلاميين هي خدعة كبرى. الإعلام الرسمي عمل على تضليل الشعب، محاولاً إظهار الجيش كمؤسسة قومية محايدة، بينما الحقيقة أن كل مفاصل الدولة، المدنية والعسكرية، كانت مختطفة من قبل جماعات الهوس الديني. قاعدة الجيش العريضة لم تكن أكثر من أداة تنفيذية، والقيادة العليا جناح عسكري للإخوان المسلمين، تتحرك وفق مصالح ضيقة بعيدة عن أي مصلحة وطنية. الدولة لم تعد كياناً يخدم الشعب، بل منصة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية لمنظومة محدودة.
الانحراف المنظومي للإسلام السياسي أعاد تشكيل الدولة من الداخل. الأخلاق والقيم تحولت إلى أدوات لتبرير الاستحواذ على السلطة والثروة، والدين أصبح لغة لتبرير الهيمنة وليس أداة للفضيلة. هذا الانحراف لم يكن حدثاً عرضياً، بل تراكم طبيعي لمنظومة فقدت القدرة على إدارة التناقضات سلمياً، فالأزمة التي يعيشها السودان اليوم كانت حتمية نتيجة تراكم هذه الأخطاء التاريخية. كل المدن المدمرة والضحايا الأبرياء هي ثمرة منطقية لمنظومة اختطفت كل شيء لصالح أقلية ضيقة. “من يزرع الفتنة ويحميها سيحصد الخراب في النهاية.”
الثورة التي اندلعت لم تكن مجرد انتفاضة سياسية، بل كانت لحظة كشف صارخة لمنظومة الحكم المختطفة. لكنها لم تجد مساحة لتحويل الغضب الشعبي إلى نظام مستقر، بسبب شبكات عميقة ومصالح مترسخة في الإدارة والاقتصاد والأمن. الهيمنة القديمة عادت خطوة بخطوة، لتعيد ترتيب الدولة وفق مصالح نخبة ضيقة، مستغلة هشاشة المؤسسات ومحدودية التمثيل الشعبي. “لا أحد يسقط فجأة؛ السقوط سلسلة من التنازلات الصغيرة التي ظن صاحبها أنها لن تُرى.”
إعادة بناء السودان تبدأ بالاعتراف بالواقع بكل قسوته: الجيش مختطف، المؤسسات مشوهة، السلطة محكومة بنخبة ضيقة. العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يكون أساسه العدالة الاجتماعية، تمثيل جميع الأطياف، والمحاسبة الصارمة لكل من أساء إدارة الدولة. الجيش يجب أن يتحرر من الهيمنة الأيديولوجية، وأن يصبح أداة حماية للشعب، لا جناحاً سياسياً لأي جماعة. الدولة ليست قوة أو أداة ضغط، بل كيان مجتمعي يضمن حقوق الجميع، ويضع حدّاً لتكرار الأخطاء التاريخية.
الإسلام السياسي والكيزان حولوا السودان إلى ساحة خراب متكامل: مدن دمرت، آلاف الأرواح زهقت، مواطنون نزحوا قسراً، ذاكرة وطنية تمزقت، ومدخرات أجيال ذهبت هباء. الطريق الوحيد لتجاوز هذه الكارثة هو تأسيس مؤسسات حقيقية، دستور يعيد ترتيب العلاقة بين الجيش والسياسة، ويضع حدّاً لهيمنة أي أيديولوجيا ضيقة، ويعيد الشعب إلى قلب الدولة. “من يختار القوة على الحق، سيجد نفسه عاجزاً عن حماية الوطن.”
اليوم، أي مشروع لإصلاح السودان يجب أن يكون شاملاً، يعترف بكل أخطاء الماضي ويعيد بناء المؤسسات وفق العدالة والمواطنة الشاملة. الدولة ليست مجرد قوة، بل مجتمع كامل يحكمه القانون ويضمن حقوق الجميع. من يظن أنها مجرد أداة ضغط، يخدع نفسه، فالدولة الحقيقية تمثل الشعب، تحمي حقوقه، وتضع حداً للهيمنة والفساد، وتعيد الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. “ليست القوة وحدها ما يحكم، بل الحق والعدل والإرادة لبناء وطن للجميع.”



