الإدارة المدنية الغائبة… كيف تحولت الاحتكاكات بين الرعاة والمزارعين إلى تهديد واسع لأمن جنوب دارفور؟
سهيبة مريش تكتب من نيالا البحير

سهيبه مريش… نيالا
تعيش مناطق واسعة من جنوب دارفور حالة من التوتر المتصاعد بسبب الاحتكاكات المتكررة بين الرعاة والمزارعين، وهي احتكاكات لم تعد خلافات موسمية عابرة كما كان يحدث سابقاً، بل تحولت في ظل الظروف الاستثنائية الحالية إلى أزمة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. وبرأيي، فإن أحد أبرز أسباب هذا الانفلات يعود إلى غياب الإدارات المدنية عن أداء دورها الطبيعي في الرقابة والمتابعة والوجود الميداني.
لقد أدت الحرب الدائرة إلى إضعاف الدولة وانكماش حضورها، لكن ما زاد الوضع سوءًا هو أن الإدارات المدنية تخلّت عن مهامها الأساسية، وفي مقدمتها مراقبة أداء الأجهزة التنفيذية في المحليات ومعالجة النزاعات لحظة نشوبها. فعندما تغيب الرقابة الفعّالة، تغيب القدرة على التدخل الفوري، فتتسع مساحة الاحتكاك، ويتصاعد التصادم حول الموارد الطبيعية التي أصبحت اليوم أكثر حساسية من أي وقت مضى.
الصراع حول الأرض والمياه والمراعي ليس جديدًا على المنطقة، لكنه ازداد حدة بسبب غياب دور الإدارات المدنية في ضبط العلاقة بين الرعاة والمزارعين. فكلا الطرفين يواجه تحديات قاسية نتيجة تضييق المسارات، وتعطل الزراعة، وتراجع الخدمات، وكلها ظروف كانت تتطلب إدارة يقظة تمتلك القدرة على الوساطة والتفاوض وتطبيق اللوائح، لا إدارة غائبة ومنشغلة بما لا يخدم الناس.
وما يدعو للأسف أن انشغال الإدارات المدنية عن قضايا المواطنين الجوهرية دفع بالأوضاع نحو مزيد من التعقيد. فقد غابت الإدارة التي يجب أن تقود الحلول، وابتعدت عن هموم الأهالي، الأمر الذي أدى إلى تراكم المشكلات وترك الاحتكاكات تتطور إلى مواجهات مؤلمة سقط ضحيتها أبرياء كان يمكن تفادي ما أصابهم لو أُديرت الأزمة بحكمة منذ بدايتها. تجاهل هذه القضايا لا يلغي وجودها، بل يجعلها أكثر خطورة.
هذه الاحتكاكات المتواصلة — من وجهة نظري — لا تهدد الأرواح وحدها، بل تقوّض كذلك فرص التنمية والاستقرار الاجتماعي. فالخوف من تجدد النزاعات يعيق الزراعة ويجمد الأنشطة الاقتصادية ويدفع السكان للنزوح المتكرر. وتصبح المنطقة بأكملها رهينة حالة عدم اليقين التي لا يمكن تبديدها دون إدارة مدنية تمتلك الكفاءة والإرادة والمسؤولية.
لقد تكرر الحديث كثيراً عن مخاطر ترك الأمور دون متابعة، وعن ضرورة قيام الإدارات المدنية بدورها في حماية المجتمع وتنظيم العلاقة بين مكوناته، لكن تلك النداءات ظلت بلا صدى. ويظل السؤال قائماً: كيف يمكن تحقيق الاستقرار بينما الإدارات المسؤولة عنه غائبة تماماً عن المشهد؟
آن الأوان لحاكم الإقليم أن يتخذ قراراً واضحاً بحل هذه الإدارات المدنية التي أصبحت عبئاً على الاستقرار والتغيير، ولا سيما في ولاية جنوب دارفور، وأن يعلن تشكيل حكومات شرعية قادرة على مراقبة الأجهزة التنفيذية والاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين.
فبتفعيل الرقابة، واعتماد آليات سلمية لفض النزاعات، وتقديم الدعم للمتضررين، يمكن الحد من الاحتكاكات وإعادة بناء الثقة واستعادة الأمن والتنمية في الولاية.




