رأي

الجيش السوداني: أكبر مليشيا منظمة في أفريقيا وانهيار أسطورة “المؤسسة الوطنية”

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

لم يعد ممكناً، أخلاقياً ولا سياسياً، الاستمرار في توصيف ما يُسمّى بالجيش السوداني بوصفه “مؤسسة وطنية” بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه في الدول الحديثة. فالتجربة التاريخية، والواقع العملي، والسلوك السياسي والعسكري المتراكم عبر عقود، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الكيان تحوّل إلى أكبر مليشيا منظمة في القارة الأفريقية، لا من حيث عدد الأفراد فحسب، بل من حيث اتساع النفوذ، وتعدد الولاءات، وعمق التورط في السياسة والاقتصاد، واستخدام العنف كأداة حكم.

الجيش، وفق التعريف المهني، هو مؤسسة قومية تنشأ لحماية الحدود والدستور والشعب، وتخضع لسلطة مدنية منتخبة، وتلتزم الحياد السياسي. غير أن ما جرى في السودان كان نقيض ذلك تماماً. فمنذ الاستقلال، لم يكن هذا الجيش حارساً للدولة، بل لاعباً رئيسياً في تقويضها، حيث قاد أو شارك في معظم الانقلابات العسكرية، وصادر الحياة السياسية، وأعاد إنتاج الاستبداد تحت شعارات “الأمن القومي” و”حماية الوطن”.

لقد تماهى الجيش السوداني، خصوصاً منذ انقلاب 1989، مع المشروع الأيديولوجي للحركة الإسلامية، وتحول تدريجياً من مؤسسة عامة إلى ذراع مسلحة لحزب وتنظيم، ثم إلى شبكة مصالح معقدة تجمع بين السلاح، والاقتصاد، والسياسة، والارتباطات الإقليمية. وهذا التحول هو ما جعله مليشيا بحكم التعريف، مهما حاولت الدعاية الرسمية تجميل صورته.

 

“الجيش الذي يوجّه سلاحه إلى شعبه يفقد تلقائياً صفته الوطنية، مهما حمل من رتب أو رايات.

أخطر ما في تجربة الجيش السوداني أنه لم يكتفِ بمصادرة السياسة، بل أعاد هندسة الدولة على مقاسه. فقد أنشأ اقتصاداً موازياً خارج ولاية وزارة المالية، وسيطر على قطاعات حيوية مثل الزراعة، والتعدين، والنقل، والصناعة، وأصبح لاعباً اقتصادياً لا يخضع للمساءلة. هذا النمط من الجيوش ــ الجيوش الريعية ــ هو السمة الأبرز للمليشيات الكبيرة، حيث يصبح استمرار الصراع ضرورة لحماية الامتيازات.

وعندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، لم يكن الصراع بين “مدنيين وعسكريين” كما حاول البعض تبسيطه، بل كان صراعاً بين شعب يسعى لبناء دولة، ومليشيا ضخمة تسعى للحفاظ على سلطتها. وقد أثبتت الوقائع أن الجيش لم ينحز للثورة إلا تكتيكياً، ثم انقلب عليها في أول فرصة، لأنه بطبيعته البنيوية لا يحتمل وجود سلطة مدنية حقيقية.

إن توصيف الجيش السوداني كأكبر مليشيا في أفريقيا لا ينبع من خطاب عدائي، بل من قراءة واقعية لسلوكه:

مليشيا لأنه لا يخضع لقيادة مدنية.

مليشيا لأنه يستخدم العنف ضد المدنيين.

مليشيا لأنه متورط في الاقتصاد غير المشروع.

مليشيا لأنه يتحالف مع قوى خارجية وفق مصالح ضيقة، لا وفق رؤية وطنية.

وقد لعبت هذه البنية دوراً مركزياً في فتح الباب أمام التدخلات الإقليمية، خصوصاً من مصر، التي وجدت في هذه المليشيا شريكاً مثالياً لتنفيذ أجندتها في السودان. فالجيوش الوطنية يصعب توظيفها ضد شعوبها، أما المليشيات الكبيرة، فبطبيعتها تبحث عن الرعاية الخارجية لضمان بقائها.

 “حين تفقد الدولة جيشها، لا يتبقى سوى مليشيا ترفع علم الدولة وتقاتل باسمها.

لكن، ورغم كل هذا الخراب، أخطأ من ظن أن الشعوب يمكن أن تُخدع إلى الأبد. فالتاريخ يعلمنا أن الوعي الجمعي يتراكم، وأن الشعوب، مهما طال ليل القمع، تصل إلى لحظة كسر الخوف. ما جرى في ديسمبر، وما تلاه، يؤكد أن السودانيين لم يعودوا يرون في هذا الجيش “حامياً”، بل جلاداً، ولم يعودوا مستعدين للانحياز لمن يقتلهم ويجوّعهم باسم الوطن.

لقد أصبحت الشعوب السودانية أكثر وعياً بطبيعة الصراع، وأكثر إدراكاً للفارق بين الدولة والمليشيا، وبين الوطنية الحقيقية والوطنية الزائفة. ولذلك فشلت كل محاولات التعبئة العاطفية، وسقط خطاب “الجيش خط أحمر”، لأن الواقع كان أبلغ من أي دعاية.

 الشعوب قد تُقهر مؤقتاً، لكنها لا تنحاز لجلادها إلى الأبد.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط السلاح، بل وهم الدولة الذي تبيعه هذه المليشيا الكبيرة. فالتحرر الحقيقي لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بتفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد، وعلى رأسها عسكرة السياسة واحتكار القوة خارج أي تفويض شعبي.

ولذلك، فإن أي مشروع وطني جاد لا بد أن يواجه الحقيقة بشجاعة: لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بوجود جيش يعمل كمليشيا، ولا يمكن تحقيق السلام دون إعادة تعريف وظيفة السلاح، ولا يمكن الحديث عن سيادة وطنية في ظل مؤسسة عسكرية مرتهنة للخارج.

خلاصة القول، إن توصيف الجيش السوداني كأكبر مليشيا في أفريقيا ليس إساءة، بل تشخيص. والتشخيص الصادق هو الخطوة الأولى نحو العلاج. أما الشعوب، وقد دفعت ثمناً باهظاً، فقد وصلت إلى درجة من الوعي تجعل من المستحيل أن تنحاز مرة أخرى إلى من قتل أبناءها ودمر مستقبلها. فالتاريخ قد يمهل، لكنه لا ينسى، والشعوب قد تصبر، لكنها لا تغفر للجلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!